Menu

الصناعة

 

 

أجهزة دولة الخلافة

ثامناً: الصنـاعـة

دائرة الصناعة هي الدائرة التي تتولى جميع الشؤون المتعلقة بالصناعة، سواء أكانت صناعة ثقيلة كصناعة المحركات والآلات، وصناعة هياكل المركبات، وصناعة المواد، والصناعات الإلكترونية، أم كانت صناعة خفيفة. وسواء أكانت المصانع من نوع المصانع التي تدخل في الملكية العامة، أم من المصانع التي تدخل في الملكية الفردية، ولها علاقة بالصناعات الحربية. والمصانع بأنواعها يجب أن تُقام على أساس السياسة الحربية؛ لأن الجهاد والقتال يحتاج إلى الجيش، والجيش حتى يستطيع أن يقاتل لا بد له من سلاح. والسلاح حتى يتوفر للجيش توفراً تاماً على أعلى مستوى لا بدَّ له من صناعة في داخل الدولة. وبخاصة الصناعة الحربية لعلاقتها القوية بالجهاد.

والدولة حتى تكون مالكة زمام أمرها، بعيدة عن تأثير غيرها فيها، لا بُدّ من أن تقوم هي بصناعة سلاحها، وتطويره بنفسها، حتى تكون باستمرار سيدة نفسها، ومالكة لأحدث الأسلحة وأقواها، مهما تقدمت الأسلحة وتطورت، وحتى يكون تحت تَصرّفها كل ما تحتاج إليه من سلاح، لإرهاب كل عَدوٍّ ظاهر لها، وكل عدوٍّ مُحتمَل، كما قال الله سبحانه وتعالى:{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ}[060:008]. وبذلك تكون الدولة مالكة إرادتها، تُنتـِج السلاح الذي تحتاج إليه وتطـوره، وتســتمر في تطـويره بالشـكل الذي يمـكّنها مِن أن تحـوز على أعلى الأسـلحة وأقواها، حتى تسـتطيع بالفعل أن تُرهِـب جميـع الأعداء الظاهـرين والمحتملين. ولهذا يجب على الدولة أن تقوم بصناعة أسـلحتها بنفسـها، ولا يجـوز أن تَعتَمِد على شِـرائه من الـدول الأخرى؛ لأن ذلك سيـجعل الدول الأخـرى متحـكمة بها وبمشـيئتها، وبسـلاحها، وبحربها، وقِتالها.

والمشاهد المحسوس في عالم اليوم أن الدول التي تبيع السلاح إلى الدول الأخرى لا تبيع كل سلاح، خاصة المتطور منه، ولا تبيعه إلا بشروط معينة، تشمل كيفية استعماله. ولا تبيعه كذلك إلا بمقدار مُعيّنٍ هي تراه، وليس حسب طلب الدولة التي تريد شراءه، مما يجعل للدولة التي تبيع السلاح سيطرة ونفوذاً على الدولة التي تشتري السلاح، ما يُمكِنّها من فرض إرادتها عليها، خاصة إذا ما وقعت الدولة التي تشتري السلاح في حرب، فإنها عندئذٍ ستحتاج إلى مزيد من السلاح، ومن قِطَع الغيار، ومن الذخيرة، ما سيجعل اعتمادها على الدولة المصدّرة للسلاح أكثر، وخضوعها لطلباتها أكبر. وهذا يُتيح للدولة المصدّرة أن تتحكم فيها، وفي إرادتها، خاصة وهي في حالة الحرب، وفي حالة شدة احتياجها للسلاح، وإلى قطع الغيار. وبذلك ترهن نفسها، ومشيئتها، وحربها، وكيانها، للدولة التي تُصدّر إليها السلاح.

لذلك كله يجب أن تقوم الدولة بنفسها بصنع سلاحها، وكل ما تحتاج إليه من آلة الحرب، ومن قِطع الغيار. وهذا لا يتأتى للدولة إلا إذا تبنت الصـناعة الثقيلة، وأخذت تُنتِج أولاً المصانع التي تُنتِج الصناعات الثقيلة، الحربية منها وغير الحربية. فلا بُدَّ من أن يكون لديها مصانع لإنتاج السلاح الذري، والمركبات الفضائية، ولإنتاج الصواريخ، والأقمار، والطائرات، والدبابات، والمدافع، والسفن الحربية، والمركبات المصفحة بأنواعها، والأسلحة الثقيلة والخفيفة بأنواعها. ويجب أن يكون لديها مصانع لإنتاج الآلات، والمحركات، والمواد، والصناعة الإلكترونية، وكذلك المصانع التي لها علاقة بالملكـية العـامة، والمصـانع الخفيفة التي لها علاقة بالصـناعات الحـربية. كل ذلك يقتضـيه وجـوب الإعداد المفـروض على المسـلمين، قـال تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ }.

وبما أن الدولة الإسلامية دولة حاملة للدعوة الإسلامية، بطريقة الدعوة والجهاد، فإنها ستكون دولة دائمة الاستعداد للقيام بالجهاد، وهذا يقتضـي أن تكون الصـناعة فيها، ثقيلة أو خفيفة، مَبنيَّـة على أسـاس السياسية الحربية، حتى إذا ما احتاجت إلى تحويلها إلى مصانع تُنتِج الصناعة الحربية بأنواعها سهل عليها ذلك في أي وقت تريد؛ ولذلك يجب أن تُبنى الصناعة كلها في دولة الخـلافة على أساس السياسة الحربية، وأن تُبنى جميع المصانع، سواء التي تنتِج الصناعات الثقيلة، أو التي تُنتِج الصناعات الخفيفة، على أساس هذه السياسة، ليسهُل تحويل إنتاجها إلى الإنتاج الحربيّ في أيّ وقت تحتاج الدولة إلى ذلك.

|
  • الأدلة الشرعية

إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بصناعة المنجنيق والعرَّادة أي الدبَّابة، ذكر البيهقي في السنن عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال: «ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف، ونصب عليهم المنجنيق سبعة عشر يوماً»، وأخرج أبو داود في المراسيل عن مكحول: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف» قال الصنعاني في سبل السلام رجاله ثقات. وقال صاحب السيرة الحلبية: «أرشده إليه سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون، فنصيب من عدونا. ويقال إن سلمان رضي الله عنه هو الذي عمله بيده». ونقل ابن القيم في زاد المعاد، وابن هشام في السيرة عن ابن اسحق: «حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة، ثم دخلوا إلى جدار الطائف ليحرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالاً».

فسلمان هو الذي أشار بالمنجنيق، ويقال إنه عمله بيده، وذلك لابد أن يكون بأمر منه صلى الله عليه وسلم . انظر قوله في السيرة الحلبية «أرشده إليه» يعني هو الذي أشار به على الرسول صلى الله عليه وسلم . ويفهم من هذه الآثار أن الصناعات العسكرية هي من مسؤولية الخليفة، ويستعين بمن شاء للقيام بها وبتنظيمها، وهي ليست بحاجة إلى أمير، بل هي بحاجة إلى مدير، فسلمان لم يكن أميراً على الصناعات العسـكرية، بل كان مديراً لصناعة المنجنيق، وربما عمل بيده. وإقامة المصانع العسكرية فرض؛ لأن الإرهاب المطلوب في قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ}[060:008] هذا الإرهاب لا يحصل إلا بالإعداد، والإعداد يستلزم وجود المصانع، فتكون الآية دالة على وجوب إقامة المصانع العسكرية بدلالة الالتزام، أو بناء على قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وكذلك أدلة وجوب الجهاد تدل بدلالة الالتزام على وجوب إقامة المصانع.

والمصانع التي أوجب الله إقامتها على الدولة ليست محصورة في المصانع العسكرية. فهناك مصانع أخرى يجب على الدولة أن تقيمها، وردت في كتاب الأموال في دولة الخلافة على النحو التالي:

«المصانع: وذلك أن الدولة يجب عليها أن تقوم بإنشاء نوعين من المصانع تبعاً لوجوب رعايتها لمصالح الناس:
النوع الأول: المصانع التي تتعلق بأعيان الملكية العامة كمصانع استخراج المعادن وتنقيتها وصهرها، وكمصانع استخراج النفط وتنقيته. وهذا النوع من المصانع يكون مملوكاً ملكية عامة تبعاً للمادة التي يصنعها ويتعلق بها، وبما أن أعيان الملكية العامة مملوكة ملكية عامة لجميع المسلمين، فتكون مصانعها مملوكة ملكية عامة لجميع المسلمين، وتقوم الدولة بإقامتها نيابة عن المسلمين.

النوع الثاني: المصانع التي تتعلق بالصناعات الثقيلة، وبصناعة الأسلحة، وهذا النوع من المصانع يجوز أن يكون مملوكاً للأفراد لأنه من الملكيات الفردية. ولكن لما كانت أمثال هذه المصانع والصناعات تحتاج إلى أموال طائلة وقد يصعب توفرها لدى الأفراد، ولما كانت الأسلحة الثقيلة اليوم لم تعد أسلحة فردية يملكها الأفراد، كما كان الحال أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وأيام الخلفاء من بعده، بل أصبحت مملوكة للدولة، تقوم الدولة على توفيرها؛ لأن واجب الرعاية يفرض عليها ذلك، خاصة بعد أن تطورت الأسلحة هذا التطور الرهيب، وأصبحت معداتها ثقيلة، وباهظة التكاليف؛ لذلك كان الواجب يفرض على الدولة أن تقوم هي بإنشاء مصانع لصناعة الأسلحة، ومصانع للصناعات الثقيلة. وهذا لا يعني أن يمنع الأفراد من إقامة هذه الصناعات».

هذه المصانع من واجب الدولة أن تقيمها، أي من واجب الخليفة، ويعين لها مديراً عاماً يرتبط به مباشرة، أو بمن ينوب عنه، يفعل أيهما شاء.

عد إلى الأعلى