Menu

القضاء

 

أجهزة دولة الخلافة

تاسعاً: القضـاء

القضاء هو الإخبار بالحكم على سبيل الإلزام، وهو يفصل الخصومات بين الناس، أو يمنعُ ما يضرّ حقّ الجماعة، أو يرفع النـزاع الواقع بين الناس وأي شخص ممن هو في جهاز الحكم، حكاماً أو موظفين، خليفة أو من دونه.

والأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى:{وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ}[049:005]. وأما السنة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم، تولّى القضاء بنفسه وقضى بين الناس.

وقد قَلَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم، القُضاة، فقلَّد عليّاً رضي الله عنه قضاء اليمن، ووصاه تنبيهاً على وجه القضـاء فقـال له: «إذا تقـاضى إليك رجـلان، فلا تقـض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف تقضي» رواه الترمذي وأحمد. وفي رواية لأحمد بلفظ: «إذا جلس إليك الخصمان، فلا تكلَّم حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول». وكذلك عيّن عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل قاضياً على الـجَنَد. وكلٌّ منها دليل مشروعية القضاء.

إن تعريف القضاء يشمل القضاء بين الناس كما سبق. ويشمل الحِسْبَة وهي: (الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام فيما يضر حق الجماعة)، كالذي ورد في حديث صُبْرة الطعام. ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مَرّ على صُبْرَة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعُه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غَشَّ فليس مني».

ويشمل كذلك النظر في قضايا المظالم؛ لأنها من القضاء، إذ هي شكوى على الحاكم، وهي أي المظالم: (الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام فيما يقع بين الناس وبين الخليفة أو أحد معاونيه أو وُلاته أو موظفيه، وفيما يقع بين المسلمين من اختلاف في معنى نَصّ من نصوص الشرع الذي يُراد القضاء بحسبها والحكم بموجبها). والمظالم وردت في حديث الرسول في التسعير إذ قال: «… وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطلبني أحد بمَظْلِمَة ظلمتها إياه في دم ولا مال» رواه أحمد من طريق أنس، ما يدل على أنه يُرفع أمْرُ الحاكم أو الوالي أو الموظف إلى قاضي المظالم فيما يدعيه أحد مَظْلِمَة، وقاضي المظالم يُخبِر بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام. وعليه يكون التعريف شاملاً للأنواعِ الثلاثة من القضاء الواردة في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وفعله، وهي فَصلُ الخصومات بين الناس، ومنعُ ما يَضرُّ حقَّ الجماعة، ورَفعُ النـزاع الواقع بين الرعية والحُكام، أو بين الرعية والموظفين في أعمالهم.

|
  • أنواع القُضاة:

القضاة ثلاثة: أحدهم القاضي، وهو الذي يتولى الفصل في الخصومات بين الناس في المعاملات والعقوبات. والثاني الـمُحتَسِب، وهو الذي يتولى الفصل في المخالفات التي تَضُرّ حق الجماعة. والثالث قاضي المظالم، وهو الذي يتولى رفع النـزاع الواقع بين الناس والدولة.

هذا بيان لأنواع القضاء. أما دليل القضاء الذي هو فصل بين الناس في الخصومات ففعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ، وتعيينه معاذ بن جبل لناحية من اليمن. وأما دليل القضاء الذي هو الفصل في المخالفات التي تَضرُّ حق الجماعة والذي يقال له الحسبة فهو ثابت بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «ليس مِنّا مَن غش» طرف من حديث رواه أحمد من طريق أبي هريرة، وهكذا كان صلى الله عليه وسلم، يتعرض للغاشِّ فيزجره. وكذلك كان يأمر التجار في الأسواق بالصدق في التجارة، والصدقة، روى أحمد عن قيس بن أبي غرزة الكناني قال: «كنا نبتاع الأوساق بالمدينة، وكنا نسمّى السماسرة، قال: فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمانا باسم هو أحسن مما كنا نسمّي به أنفسنا فقال: يا معشر التجار، إن هذا البيع يحضره اللغو والحلف، فشوُبوه بالصدقة».

وروى أحمد عن أبي المنهال: «أن زيد بن أرقم والبراء بن عازب كانا شريكين، فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرهما أنّ ما كان بنقد فأجيزوه، وما كان بنسيئة فردوه» فمنعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ربا النسيئة. فهذا كله هو قضاء الحِسْـبَة، فإن تسمية القضاء الذي يفصل في الخصومات التي تَضرُّ حق الجماعة بالحِسْـبَة هو اصطلاح لعمل مُعيّن في الدولة الإسلامية، أي مراقبة التجار، وأرباب الحِرَف، لمنعهم من الغش في تجارتهم، وعملهم، ومصنوعاتهم، وأخذهم باستعمال المكاييل والموازين وغير ذلك مما يَضرّ الجماعة. وهذا العمل نفسه هو ما بَيّنه صلى الله عليه وسلم، ، وأمَرَ به، وتوَلّى الفصل فيه، كما هو ظاهر في حديث البراء بن عازب، حيث منع الطَرَفَيْن من النَسيئة. وكذلك فقد استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم، سعيد بن العاص على سوق مكة بعد الفتح كما جاء في طبقات ابن سعد، وفي الاستيعاب لابن عبد البر، ولهذا فإن دليل الحِسْبَة هو السنة. وقد استعمل عمر بن الخطاب الشفاء امرأة من قومه وهي أم سليمان بن أبي حثمة قاضياً على السوق أي قاضي حسبة، كما عيَّن عبد الله بن عتبة على سوق المدينة، كما نقل ذلك مالك في موطئه والشافعي في مسنده، وكان كذلك يقوم بنفسه في قضاء الحِسْبَة، وكان يطوف بالأسواق كما كان يفعل الرسول صلى الله عليه وسلم،. وظل الخليفة يقوم بالحسبة إلى أن جاء المهدي فجعل للحسبة جهازاً خاصاً فصارت من أجهزة القضاء. وفي عهد الرشيد كان المحتسب يطوف بالأسواق، ويفحص الأوزان والمكاييل من الغش، وينظر في معاملات التجار.

وأمـا دليل القضاء الذي يقال له قضاء المظـالـم فـهـو قـولـه تعـالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ}[059:004] وقـد جــاء هـذا بعـد قـولـه تعـالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ}[059:004] فالنـزاع بين الرعية وأولي الأمر يجب رده إلى الله ورسوله، أي إلى حكم الله. وهذا يقتضي وجود قاضٍ يحكم في هذا النـزاع وهو قاضي المظالم؛ لأن مما يشمله تعريف قضاء المظالم النظر فيما يقع بين الناس وبين الخليفة. وكذلك فإن دليل قضاء المظالم هو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقوله، إلا أنه عليه الصلاة والسلام لم يجعل قاضياً خاصاً للمظالم وحدها في جميع أنحاء الدولة، وكذلك سار الخلفاء من بعده من كونهم كانوا هُم يتوَلّون المظالم كما حصل مع عليِّ بن أبي طالبرضي الله عنه، ولكنه كرم الله وجهه لم يكن يجعل لها وقتاً مخصوصاً، وأسلوباً معيناً، بل كانت تُرى الـمَظْلِمَة حين حدوثها، فكانت من جمـلة الأعمال. وظَلَّ الحال كذلك إلى أيام عبد الملك بن مروان، فإنه أول خليفة أفرد للظُلامات وقتاً مخصوصاً، وأسلوباً معيناً، فكان يخصص لها يوماً معيناً، وكان يتصفح الظُلامات، فإن أشكل عليه شيء منها دفعه إلى قاضيه ليحكم به، ثم صار الخليفة يرتب عنه نُواباً ينظرون في ظُلامات الناس، وصار للمظالم جهاز خاص، وكان يُسمى (دار العدل). وهذا جائز من ناحية تعيين قاضٍ مُعيّن لها، لأن كل ما للخليفة من صـلاحيات يجـوز له أن يعين عنه من ينوب منابه بالقيام به، وجائز من حيث تخصيص وقت مُعيّن، وأسلوب معين؛ لأنه من المباحات.

 

 

  • تقليد القُضـاة:

يجوز أن يُقلَّد القاضي والمحتسب وقاضي المظالم تقليداً عاماً في القضاء، بجميع القضايا في جميع البلاد، ويجوز أن يقلّدوا تقليداً خاصاً بالمكان وبأنواع القضايا أخذاً من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم،، إذ قلّد علي بن أبي طالب قضاء اليمن، وقلّد معاذ بن جبل القضاء في ناحية من اليمن، وقلّد عمرو بن العاص القضاء في قضية واحدة معينة.

 

  • شـروط القُضـاة:

ويشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون: مسلماً، حُراً، بالغاً، عاقلاً، عدلاً، فقيهاً، مدركاً لتنـزيل الأحكام على الوقائع. ويشترط فيمن يتولى قضاء المظالم زيادة على هذه الشروط أن يكون رجلاً، وأن يكون مجتهداً، كقاضي القضاة، لأن عمله قضاء وحكم، فهو يحكم على الحاكم، وينفذ الشرع عليه، ولذلك يشترط أن يكون رجلاً، علاوة على باقي شروط القاضي، التي منها أن يكون فقيهاً. إلا أنه يشترط فيه فوق ذلك أن يكون مجتهداً؛ لأن من المظالم التي ينظر فيها هو أن يكون الحاكم قد حكم بغير ما أنزل الله، بأن حكم بحكم ليس له دليل شرعي، أو لا يَنطَبقُ الدليلُ الذي استدل به على الحادثة، وهذه الـمَـظْلِمَة لا يستطيع أن يَفصِل فيها إلا المُجتَهِد، فإذا كان غير مُجتَهِد كان قاضياً عن جهل، وهو حرام ولا يجوز؛ ولذلك يشترط فيه زيادة على شروط الحاكم، وشروط القاضي أن يكون مُجتَهِداً.

 

  • رزق القُضاة:

قال الحافظ في الفتح: الرزق ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين. والقضاء مما يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال، وهو عمل استأجرتهم الدولة عليه لمصالح المسلمين، وكل عمل لمصالح المسلمين تستأجر الدولة من يقوم به على وجهه الشرعي، فإن القائم به يستحق عليه أجراً، سواء أكان عبادةً أم غيرها، بدليل أن الله سبحانه جعل للعاملين على الصدقات سهماً فيها فقال: {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}[060:009]. وروى أبو داود وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقاً، فما أصاب بعد رزقه فهو غلول». وقال الماوردي في الحاوي: «والقضاء مما يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال؛ لأن الله تعالى جعل للعاملين على الصدقات سهماً فيها، وقد استقضى عمر شريحاً وجعل له في كل شهر مائة درهم رزقاً، فلما أفضت الخـلافة إلى علي جعل رزقه في كل شهر خمسمائة درهم، وأخذ زيد بن ثابت على القضاء رزقاً». على أن البخاري قد روى تعليقاً قال: «كان شريح يأخذ على القضاء أجراً» وقال الحافظ في تعليق التعليق: «أما أثر شريح فقال سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن مجالد عن الشعبي قال: كان مسروق لا يأخذ على القضاء أجراً، وكان شريح يأخذ». وذكر الحافظ في الفتح: «وذكر ابن المنذر أن زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء». وروى ابن سعد عن نافع قال: «استعمل عمر بن الخطاب زيد ين ثابت على القضاء وفرض له رزقاً». وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم على جواز أخذ الرزق على القضاء. قال الحافظ في الفتح: «وقال أبو علي الكرابيسي: لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصحابة ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار، لا أعلم بينهم اختلافاً، وقد كره ذلك قوم منهم مسروق، ولا أعلم أحداً منهم حرَّمه». وذكر ابن قدامة في المغني: «أن عمر كتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة، حين بعثهما إلى الشام، أن انظرا رجالاً من صــالحي من قبلـكم، فاســتعـملوهـم علـى القضـاء، وأوســعوا عـليهم، وارزقوهم، واكفوهم من مال الله».

 

  • تشكيل المحاكم:

لا يجوز أن تتألف المحكمة إلا من قاض واحد، له صلاحية الفصل في القضاء، ويجوز أن يكون معه قاض آخر أو أكثر، ولكن ليست لهم صـلاحية الحـكم، وإنما لهم صـلاحية المشـاورة وإعطـاء الـرأي، ورأيهـم غـير ملزم له.

وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم، لم يُعـيّـن للقضية الواحدة قاضيين، وإنما عَـيَّـن قاضياً واحداً للقضية الواحدة، وأيضـاً فإن القضـاء هو الإخبار بالحكم الشرعي على سبيل الإلزام، والحكم الشرعي في حق المسلم لا يتعدد، فهو حكم الله، وحكم الله واحد. صحيح قد يتعدد فهمه، ولكنه في حق المسلم من حيث العمل به واحد، ولا يتعدد مطلقاً. والقاضي حين يُخـبر بالحكم الشرعي في القضـية على سبيل الإلزام، يجب أن يكون هذا الإخبار واحداً، لأنه في حقيقته عمل بحكم الله، وحكم الله في حالة العمل به لا يتعدد، وإن تعدد فَهمُه. ولهذا لا يصح أن يكون القاضي متعدداً للقضـية الواحـدة، أي في المحكمة الواحدة. أما بالنسبة للبلد الواحد في جميع القضايا، ولكن في محكمتين منفصلتين لمكان واحد، فإنه يجوز؛ لأن القضاء استنابة من الخليفة، فهو كالوكالة يجوز فيها التعدد، وكذلك جاز تعدد القضاة في المكان الواحد. وعند تجاذب الخصوم بين قاضيين في مكان واحد يرجح جانب المدعي، ويكون النظر للقاضي الذي يطلبه؛ لأنه طالب الحق، وهو أرجح من المطلوب منه.

ولا يجوز أن يقضي القاضي إلا في مجلس القضاء، ولا تعتبر البيّنة واليمين إلا في مجلس القضاء؛ وذلك لما رُويَ عن عبد الله بن الزبير قال: «قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم» رواه أبو داود وأحمد، فإن هذا الحديث يُبيّن الهيئة التي يحصل فيها القضاء، وهي هيئة مشروعة لذاتها، أي لا بد من وجود هيئة معينة يحصل فيها القضاء، وهي أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم، وهذا هو مجلس القضاء. فهو شرط في صحة القضاء، أي لا بد من مجلس معين يجري فيه القضاء حتى يكون قضاء، وذلك أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم. ويؤيد ذلك حديث عليّ حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعليّ: «إذا جلس إليك الخصمان، فلا تكلَّم حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول»، فهو كذلك يبين هيئة مخصوصة بقوله: «إذا جلس إليك الخصمان». فمجلس القضاء شرط لصحة القضاء، وكذلك شرط لاعتبار اليمين؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم، : «اليمين على المدعى عليه» رواه البخاري من طريق ابن عباس. ولا تكون له هذه الصفة، صفة المدعى عليه، إلا في مجلس القضاء. وكذلك البينة لا يكون لها أي اعتبار إلا في مجلس القضاء؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم، : «… ولكن البيّنة على المدعي، واليمين على من أنكر» رواه البيهقي. ولا تكون له هذه الصفة إلا في مجلس القضاء.
ويجوز أن تتعدد درجات المحاكم بالنسبة لأنواع القضايا، فيجوز أن يُخصّص بعض القضاة بأقضية معينة إلى حد معين، وأن يوكل أمر غير هذه القضايا إلى محاكم أخرى.

وذلك أن القضاء هو استنابة من الخليفة وهي كالوكالة سواء بسواء، من غير أي فرق بينهما، إذ هي من الوكالة، وتجوز الوكالة عامةً، وتجوز خاصةً؛ ولهذا يجوز أن يُعيّن القاضي قاضياً في قضايا معينة، ويُمنَع من غيرها، ويجوز أن يُعيّن غيره في غيرها، وفيما عُيّن له هو، ولو في مكان واحد؛ ومن هنا جاز تعدد درجات المحاكم، وقد كان ذلك موجوداً عند المسلمين في العصور الأولى، يقول الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية: «قال أبو عبد الله الزبيري: لم تزل الأمراء عندنا بالبصرة برهة من الدهر يستقضون قاضياً على المسجد الجامع، يسمونه قاضي المسجد، يحكم في مائتي درهم وعشرين ديناراً فما دونها. ويفرض النفقات، ولا يتعدى موضعه وما قدر له». والرسول صلى الله عليه وسلم، أناب عنه في القضاء في قضية واحدة كما حصل في إنابته لعمرو بن العاص، وأناب عنه في القضاء في جميع القضايا في وِلاية من الولايات، كما حصل في إنابته عليه الصلاة والسلام لعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه على قضاء اليمن، مما يدل على جواز تخصيص القضاء وجواز تعميمه.

ولا توجد محاكم استئناف، ولا محاكم تمييز، فالقضاء من حيث البت في القضية درجة واحدة، فإذا نطق القاضي بالحكم فحكمه نافذ، ولا ينقضه حكم قاض آخر. والقاعدة الشرعية (الاجتهاد لا ينقض بمثله) فليس أي مجتهد بحجة على مجتهد آخر، فلا يصح وجود محاكم تنقض أحكام محاكم أخرى.

إلا أن القاضي إن ترك الحكم بأحكام الشريعة الإسلامية، وحكم بأحكام الكفر، أو إن حكم بحكم يخالف نصاً قطعياً من الكتاب أو السنة أو إجماع الصحابة، أو حكم حكماً مخالفاً لحقيقة الواقع، كأن حكم على شخص بالقصاص على أنه قاتل عمد، ثم ظهر القاتل الحقيقي، فإنه في هذه الحالات وأمثالها ينقض حكم القاضي؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» رواه البخاري ومسلم من طريق عائشة رضي الله عنها. ولما روى جابر بن عبد الله: «أن رجلاً زنى بامرأة، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فجُـلد. ثم أُخـبر أنه محصـن فأمـر به فَرُجـم» ولمـا روى مالـك بن أنس قال: «بلغني أن عثمان رضي الله عنه أُتي بامرأة ولدت من ستة أشهر فأمر برجمها. فقال له علي: ما عـليها رجــم؛ لأن الله تعـالى يقـول: { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً}[015:046] ويقـول: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}[2330:001] فالحمل يكون ستة أشهر؛ فلا رجم عليها. فأمر عثمان بردها»، وأخبر عبد الرزاق عن الإمام الثوري قال: «إذا قضى القاضي بخلاف كتاب الله، أو سنة رسول الله، أو شيء مجمع عليه، فإن القاضي بعده يرده».
والذي له صلاحية نقض هذه الأحكام هو قاضي المظالم.

 

  • المُحْتَسِب:

المحتسب هو القاضي الذي ينظر في كافة القضايا التي هي حقوق عامة، ولا يوجد فيها مُدَّعٍ، على أن لا تكون داخلة في الحدود والجنايات.

هذا تعريف لقاضي الحسبة، وهو تعريف مأخوذ من حديث صُبْرَة الطعام، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم، وجد بللاً في صُبْرَة الطعام، فأمر بجعله فوق الطعام حتى يراه الناس، فهذا حق عام للناس نظر فيه الرسول، وقضى فيه بجعل الطعام المبلول على وجه الصُبْرَة لإزالة الغِش. وهذا يشمل جميع الحقوق التي من هذا النوع، ولا يشمل الحدود والجنايات؛ لأنه ليس من هذا القبيل، ولأنها خصومات بين الناس في الأصل.

صلاحيـات المحتسـب:
يملك المحتسب الحكم في المخالفة فور العلم بها في أي مكان دون حاجة لمجلس قضاء، ويجعل تحت يده عدد من الشرطة لتنفيذ أوامره، وينفذ حكمه في الحال.

ولا حاجة لمجلس قضاء حتى ينظر المحتسب في الدعوى، بل يحكم في المخالفة بمجرد التحقق من حدوثها، وله أن يحكم في أي مكان أو زمان: في السوق، وفي البيت، وعلى ظهر الدابة، وفي السيارة، في الليل أو النهار؛ لأن الدليل الذي ثبت فيه شرط مجلس القضاء للنظر في القضية لا ينطبق على المحتسب؛ لأن الحديث الذي ثبت فيه اشتراط المجلس في القضاء يقول: «إن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم»، ويقول: «إذا جلس إليك الخصمان»، وهذا غير موجود في قاضي الحسبة؛ لأنه لا يوجد مدع ومدعى عليه، بل يوجد حق عام اعتُديَ عليه، أو مخالفة للشرع. وأيضاً فإن الرسول صلى الله عليه وسلم، حين نظر في أمر صُـبْرَة الطعام، نظر فيها وهو سائر في السوق، وكانت معروضة للبيع، ولم يستدع صاحب الصُبْرَة عنده، بل بمجرد أن رأى المخالفة نظر فيها في مكانها، مما يدل على أنه لا يُشترط مجلس القضاء في قضايا الحسبة.

وللمحتسب الحق في أن يختار نواباً عنه تتوفر فيهم شروط المحتسب، يوزعهم في الجهات المختلفة، وتكون لهؤلاء النواب صلاحية القيام بوظيفة الحسبة في المنطقة أو المحلة التي عُـيّنت لهم في القضايا التي فُوّضوا فيها.

وهذا مقيدٌ بما إذا كان تعيين المحتسب قد اشتمل على إعطائه حق تعيين نواب عنه، أي حق الاستخلاف عنه. فإذا لَم يجعل له حقُّ الاستخلاف أي حق تعيين نواب عنه، فلا يملك صلاحية التعيين.

 

  • قاضي المظالم:

قاضي المظالم هو قاضٍ يُنَصب لرفع كل مَظْـلِمَة تحصل من الدولة على أي شخص يعيش تحت سلطان الدولة، سواء أكان من رعاياها أم من غيرهم، وسواء حصلت هذه الـمَظْلِمَة من الخليفة أم ممن هو دونه من الحكام والموظفين.

هذا تعريف قاضي المظالم، والأصل في قضاء المظالم ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه جعل ما يفعله الحاكم مِن أمر، على غير وجه الحق في حكمه للرعية، مَظْلِمَة، عن أنس قال: غلا السعر على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، لو سعَّرت، فقال: «إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمَظْلِمَة ظلمتها إياه في دم ولا مال» رواه أحمد، فجعل التسعير مَظْلِمَة؛ لأنه لو فعله يكون فعل شيئاً لا حق له به، وكذلك جعل القضايا التي تحصل في الحقوق العامة، التي تنظمها الدولة للناس، جعل النظر فيها من المظالم. فإذا وضع نظام إداري لمصلحة من مصالح الناس، فرأى أحد الرعايا أن هذا النظام يظلمه، فإن قضيته تُنظر من المظالم؛ لأنها تظلّم من نظام إداري لمصلحة من مصالح الناس وضعته الدولة. كسقي الزرع من ماء عام وفق (دَوْرٍ) نظمته الدولة.
ودليل ذلك تَظَلُّم الأنصاري من تنظيم الدولة لسقي الماء، للأول فالأول، أي للذي يمر مسيل الماء على أرضه أولاً، فكان الأنصاري يريد أن يرسل الزبير الماء إليه قبل أن يسقي الزبير أرضه (حيث كان السيل يمر بأرض الزبير أولاً)، فامتنع الزبير، ورُفِعت القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى بينهما بأن يسقي الزبير سقياً خفيفاً ثم يرسل الماء إلى جاره الأنصاري (أي لا يأخذ الزبير كامل دَوْرِهِ مساعدةً للأنصاري)، فلم يقبل الأنصاري بذلك بل أراد أن يصل الماء إلى أرضه قبل أن يسقي الزبير، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن قضاءه هذا كان لأن الزبير ابن عمته (وهي كلمة كبيرة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ، ولكن يبدو أن الرسول صلى الله عليه وسلم، عفا عن مقولته تلك لأنه كان شهد بدراً كما في رواية البخاري).

عندها حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، أن يأخذ الزبير كامل حقه في السقي، وهو أن يسقي الزبير أرضه حتى يصل الماء إلى أصل الْجَدْر، وهو أصل الحائط أو أصل الشجر، وقد فسره العلماء أن يرتفع الماء في الأرض إلى أن يغطي رِجْلَ الإنسان.  والحديث بتمامه فيما رواه مسلم من طريق عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثـَهُ أَنَّ رَجُلاً مِنْ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْـقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَـارِيُّ سَـرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصَـمـُوا عِنْدَ رَسُـولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ، فَقَالَ رَسُـولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، لِلزُّبَيْرِ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثـُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، ثـُمَّ قَالَ: «يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثـُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ» فَقَالَ الزُّبَيْرُ وَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً}[065:004]. (شِراج الحرة أي مسيل الماء، والْحَرَّة موضع معروف بالمدينة وأضيف الشراج للحرة لأنه كان فيها. قال أبو عبيد كان بالمدينة واديان يسيلان بماء المطر فيتنافس الناس فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، للأعلى فالأعلى. أي يسقي صاحب الأرض لأول المسيل ثم الذي بعده وهكذا).

ولذلك فإن أية مَظْلِمَة تحصل على أي شخص، سواء أكانت من الحاكم، أم من تنظيمات الدولة وأوامرها، تُعتبَر مَظْلِمَة، كما يفهم من هذين الحديثين، ويُرفَع أمرها للخليفة ليقضي في هذه الـمَظْلِمَة، أو لمن ينيبه الخليفة عنه في ذلك من قضاة المظالم.

تعيين قضـاة المظالم وعـزلهم:
يُعيّن قاضي المظالم من قِبَل الخليفة، أو من قِبَل قاضي القضاة؛ وذلك لأن المظالم مِن القضاء، فهي إخبار عن الحكم الشرعي على سبيل الإلزام، والقاضي، بجميع أنواعه، إنما يُعيّنه الخليفة، لما ثـَـبت أنّ الرسـول صلى الله عليه وسلم، ، هو الذي كان يُعيّن القضاة بأنواعهم كما بينّا سابقاً. وبذلك فإن الخليفة هو الذي يُعيّن قاضي المظالم، ويجوز لقاضي القضاة أن يعين قاضي المظالم إذا جَعَل له الخليفة ذلك في عقد التقليد. ويجوز أن يقتصر عمل محكمة المظالم الرئيسة في مركز الدولة على النظر في الـمَـظلمة من الخليفة ووزرائه وقاضي قضاته، وأن تنظر فروع محكمة المظالم في الولايات في المظالم من الولاة والعمال وموظفي الدولة الآخرين. وللخليفة أن يعطي محكمة المظالم المركزية صلاحية تعيين وعزل قضاة المظالم في محاكم المظالم في فروع الولايات التابعة لمحكمة المظالم المركزية.

والخليفة هو الذي يعـين ويعزل أعضاء محكمة المظالم الرئيسة في مركز الدولة. وأمـا عـزل رئـيس محـكـمـة المظـالم المركزية، أي قاضي المظالم الذي ينظر في عزل الخليفة، فإن الأصل فيه أن يكون للخليفة حق عزله، كما له حـق تـولـيـتـه كسائر القضاة. ولكن هناك حالةً يغلب على الظن أنه لو تُركتْ صلاحية العزل بيد الخليفة أثناءها، فإن هذه الصلاحية تؤدي إلى الحرام، وعندها تنطبق عليها قاعدة (الوسيلة إلى الحرام حرام)، حيث إن غلبة الظن تكفي في هذه القاعدة.

أما هذه الحالة فهي إذا كانت هناك قضية مرفوعة على الخليفة، أو وزرائه، أو قاضي قضاته (إذا كان الخليفة قد جعل له صلاحية تعيين وعزل قاضي المظالم)؛ وذلك لأن بقاء صلاحية العزل بيد الخليفة في هذه الحالة سيؤثر في حكم القاضي، وبالتالي يحد من قدرة القاضي على عزل الخليفة أو أعوانه مثلاً، وتكون صلاحية العزل هذه وسيلةً إلى الحرام، أي أن بقاءها بيد الخليفة في هذه الحالة حرام
وأما باقي الحالات فإن الحكم باقٍ على أصله، أي أن صلاحية عزل قاضي المظالم هي للخليفة كتوليته سواء بسواء.

صلاحيات قضاء المظالم:
تملك محكمة المظالم صلاحية النظر في أيّة مَظْلـِمَة من المظالم سواء أكانت متعلقة بأشخاص من جهاز الدولة، أم متعلقة بمخالفة الخليفة لأحكام الشرع، أم متعلقة بمعنى نصٍّ من نصوص التشريع في الدستور، والقانون، وسائر الأحكام الشرعية ضمن تبني الخليفة، أم متعلقة بتظلم الرعية من القوانين الإدارية المتعلقة بمصالحها، أم متعلقة بفرض ضريبة من الضرائب، أم غير ذلك.

ولا يشترط في قضاء أية مَظْلـِمَة متعلقة بأشخاص من جهاز الدولة، أو متعلقة بمخالفة الخليفة للأحكام الشرعية، أو متعلقة بمعنى نص من نصوص التشريع، أو الدستور، أو القانون ضمن تبني الخليفة، أو متعلقة بفرض ضريبة من الضرائب، أو متعلقة بتعدي الدولة على الرعية وأخذها بالعسف والظلم، أو جورها فيما تَجبيه من أموال، أو إنقاصها لرواتب الموظفين والجند، أو تأخير صرفها لهم، لا يشترط في قضاء هذه المظالم وأمثالها مجلس قضاء، ولا دعوة المدعى عليه، ولا وجود مدع، بل لها حق النظر في الـمَظْلـِمَة ولو لم يدعِ بها أحد.

وذلك أن الدليل الذي ثبت فيه شرط مجلس القضاء للنظر في القضية لا ينطبق على محكمة المظالم لعدم وجود مدع، إذ لا حاجة لوجود مدعٍ فيها، فهي تنظر في الـمَظْلـِمَة، ولو لم يدعِ بها أحد، أو لعدم ضرورة حضور المدعى عليه، لأنها تنظر في القَضية من غير حاجة لحضور المدعى عليه. لأنها تدقق في الـمَظْلـِمَة، وعليه لا ينطبق عليها دليل اشتراط مجلس القضاء، لما روى أبو داود وأحمد عن عبد الله بن الزبير قال: «قضى رسول صلى الله عليه وسلم، أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم»، وقوله: صلى الله عليه وسلم، لعليّ: «إذا جلس إليك الخصمان». وعليه لمحكمة المظالم النظر في الـمَظْلـِمَة بمجرد حدوثها من غير التَقيُّد بشيء مطلقاً، لا في مكان، ولا في زمان، ولا في مجلس قضاء، ولا غير ذلك. إلا أنه نظراً لمكانة هذه المحكمة من ناحية صلاحياتها كانت تحاط بما يجعل لها الهيبة والعظمة. وفي زمن السلاطين في مصر والشام كان مجلس السلطان الذي ينظر فيه في المظالم يسمى (دار العدل) وكان يُقيم فيه نُواباً عنه، ويحضر فيه القضاة والفقهاء، وقد ذكر المقريزي في كتاب (السلوك إلى معرفة دول الملوك) أن السلطان الملك الصالح أيوب رَتّب عنه نُواباً بدار العدل يجلـسـون لإزالة المظالم، ومعهم الشهود والقضاة والفقهاء. ولا بأس أن يُجعل لمحكمة المظالم دار فخمة، فإن هذا من المباحات، لا سيما إذا كانت تَظهَر بها عظمة العدل.

 

  • العقود والمعاملات والأقضية قبل قيام الخلافة:

تعتبر العقود والمعاملات والأقضية التي أبرمت وانتهى تنفيذها قبل قيام الخلافة، تعتبر صحيحةً بين أطرافها حتى انتهاء تنفيذها قبل الخلافة، ولا ينقضها قضاء الخلافة ولا يحركها من جديد، وكذلك لا تقبل الدعاوى حولها من جديد بعد قيام الخلافة.

يستثنى من ذلك حالتان:
1- إذا كان للقضية التي أبرمت وانتهى تنفيذها أثر مستمر يخالف الإسلام.
2- إذا كانت القضية تتعلق بمن آذى الإسلام والمسلمين.

أما عدم نقض العقود والمعاملات والقضايا التي أبرمت وانتهى تنفيذها قبل قيام دولة الخلافة، وعدم تحريكها من جديد في غير الحالتين المذكورتين؛ فذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينقض معاملات الجاهلية وعقودها وأقضيتها عندما أصبحت دارهم دار إسلام. فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد الفتح لم يعد إلى داره التي هاجر منها، حيث كان عقيل بن أبي طالب قد ورث -وفق قوانين قريش- دور عَصَبَتِه الذين أسلموا وهاجروا، وتصرف بها وباعها، ومن ضمنها دار الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان قيل للرسول صلى الله عليه وسلم حينها: «في أي دورك تنـزل؟» فقال صلى الله عليه وسلم: «وهل ترك لنا عقيل من رباع» وفي رواية «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْـزِلٍ» فهو كان قد باع دور رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينقضها الرسول صلى الله عليه وسلم. والحديث كما أخرجه البخاري من طريق أسامة بن زيد هو: «أَنَّهُ قَالَ زَمَنَ الْفَتْحِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْـزِلُ غَدًا؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْـزِلٍ؟!» وكذلك فقد ورد أن أبا العاص بن الربيع، عندما أسلم وهاجر إلى المدينة -وكانت زوجته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسلمت وهاجرت بعد بدر بينما هو بقي على شركه في مكة- أرجع الرسول صلى الله عليه وسلم إليه زوجته زينب بنت الرسول دون أن يجدد عقد نكاحها عليه، إقراراً بالعقد الذي كان قد تم في الجاهلية. أخرج ابن ماجة من طريق ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ابنته - أي زينب - على أبي العاص ابن الربيع بعد سنتين بنكاحها الأول» وذلك بعد أن أسلم أبو العاص.

وأما تحريك القضايا ذات الأثر المستمر المخالف للإسلام، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد وضع الربا المتبقي على الناس بعد أن أصبحوا في الدولة الإسلامية وجعل لهم رؤوس أموالهم، أي أنهم بعد دار الإسلام قد أصبح ما بقي عليهم من ربا موضوعاً.  أخرج أبو داود من طريق سليمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول: «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تَظلِمون ولا تُظلَمون».

وكذلك فإن الذين كانوا متزوجين فوق أربع حسب قوانين الجاهلية، فإنهم بعد دار الإسلام ألزموا بالإمساك على أربع فقط.  أخرج الترمذي من طريق عبد الله بن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه «فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير أربعاً منهن»

وعليه فإن العقود التي لها أثر مستمر مخالف للإسلام، فإن هذا الأثر يُزال عند قيام الخلافة، وهذه الإزالة على الوجوب.

فمثلاً لو أن امرأة مسلمة كانت متزوجة من نصراني قبل الإسلام، فإنه بعد الخلافة يفسخ هذا العقد وفق أحكام الشرع.

وأما تحريك القضايا المتعلقة بمن آذوا الإسلام والمسلمين؛ فلأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما فتح مكة أهدر دم بضعة نفر كانوا يؤذون الإسلام والمسلمين في الجاهلية، فأهدر دمهم حتى وإن تعلقوا بأستار الكعبة، علماً بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام يجب ما قبله» رواه أحمد والطبراني عن عمرو بن العاص، أي أن من آذى الإسلام والمسلمين مستثنى من هذا الحديث.

وحيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد عفا عن بعضهم فيما بعد كعفوه صلى الله عليه وسلم عن عكرمة بن أبي جهل؛ لذلك يجوز للخليفة أن يحرك القضية على هؤلاء أو يعفو عنهم. وهذا ينطبق على من كان يعذب المسلمين لقولهم الحق أو يطعن في الإسلام، فإنه لا يطبق عليهم حديث «الإسلام يجب ما قبله»، بل إنهم مستثنون من هذا، وتحرك القضية عليهم وفق ما يراه الخليفة.

أما في غير هاتين الحالتين، فإن عقود ما قبل الخلافة ومعاملاتها وأقضيتها لا تُنقَض ولا تحرك، مادام أنها قد أبرمت وانتهى تنفيذها قبل قيام الخلافة.

فمثلاً لو أن رجلاً حُكِم بالسجن سنتين في تهمة كسر أبواب مدرسة، وأكمل السنتين قبل قيام الخلافة وخرج من السجن، ثم بعد قيام الخلافة أراد أن يقيم دعوى على من سجنه بتلك التهمة لأنه يرى أنه لم يكن يستحق السجن، فإن هذه الدعوى لا تقبل؛ لأن القضية حدثت وحكم عليها وانتهى تنفيذها قبل قيام الخلافة، فيحتسب أمره لله.

وأما إذا كان رجل محكوماً عشر سنوات مضى منها سنتان ثم قامت الخلافة، فهنا للخليفة أن ينظر فيها، إما بإلغاء العقوبة من أصلها فيخرج من السجن بريئاً مما نسب إليه، وإما بالاكتفاء بما مضى، أي أن الحكم الصادر عنه يعتبر سنتين ويخرج من السجن، وإما أن يُدرس الحكم المتبقي ويراعى فيه الأحكام الشرعية ذات العلاقة بما يصلح الرعية، وبخاصة القضايا المتعلقة بحقوق الأشخاص، وبما يصلح ذات البين.

عد إلى الأعلى