Menu

الأمن الداخلي

 

أجهزة دولة الخلافة

سادساً: الأمن الداخلي

تتولى الأمن الداخلي دائرة تسمى دائرة الأمن الداخلي، يرأسها مدير الأمن الداخلي. ويكون لهذه الدائرة في كل ولاية فرع يسمى إدارة الأمن الداخلي يرأسها (صاحب الشرطة) في الولاية، يكون تابعاً للوالي من حيث التنفيذ، ولكنه يكون من حيث الإدارة تابعاً لدائرة الأمن الداخلي، ويُنظم ذلك بقانون خاص.

ودائرة الأمـن الداخـلي هي الدائـرة التي تتولّى إدارة كل ما له مساس بالأمن، وتتولّى حفظ الأمن في البلاد بواسطة الشرطة، فهي الوسـيلة الرئيسـية لحـفـظ الأمن، فلها أن تسـتخدم الشـرطة في كل وقـت تريد، وكما تريد، وأمرها نافذ فوراً. وأما إذا دعتها الحاجة إلى الاسـتعـانة بالجيش، فإن عليها أن ترفع الأمر للخـليفة، وله أن يأمر الجيش بـإعانة دائرة الأمن الداخلي، أو بـإمدادها بقوات عسـكرية لمـسـاعدتها في حفظ الأمـن، أو أي أمـر يراه، وله أن يرفض طلبها، ويأمرها بالاكتفاء بالشرطة.

وتتكون الشرطة من الرجال البالغين ممن يحملون التابعية. ويجوز أن تكون النساء في الشرطة للقيام بمتطلبات النساء ذات العلاقة بمهمات دائرة الأمن الداخلي، ويصدر قانون خاص لهذا الغرض وفق أحكام الشرع.

والشرطة قسمان: شرطة الجيش، والشرطة التي بين يدي الحاكم، وهذه تكون بلباس خاص، وعلامات مميزة لحفظ الأمن.

قال الأزهري (شرطة كل شيء خياره، منه الشُّرَط؛ لأنهم نخبة الجند. وقيل هم أول طائفة تتقدم الجيش، وقيل سموا شُرَطاً لأن لهم علامات يعرفون بها في اللباس والهيئة) وهو اختيار الأصمعي. وجاء في القاموس (والشرطة بالضم… واحد الشُّرَط وهم أول كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت، وطائفة من أعوان الولاة، وهو شُرطي كتُرْكي وجُهَني، سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها).

أما شرطة الجيش، وهي فرقة من الجيش لها علامة تتقدم الجيش لضبط أموره، فهي جزء من الجيش تتبع أمير الجهاد، أي تتبع دائرة الحربية. وأما الشرطة التي بين يدي الحكام فهي تتبع دائرة الأمن الداخلي. فقد روى البخاري عن أنس «أن قيس بن سعد كان يكون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، بمنـزلة صاحب الشُّرطة من الأمير» والمراد هنا قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي، وقد رواه الترمذي بلفظ: «كان قيس بن سعد من النبي صلى الله عليه وسلم، بمنـزلة صاحب الشرطة من الأمير، قال الأنصاري يعني ما يلي من أموره».

ويجوز للخليفة أن يجعل الشرطة كلها التي تحفظ الأمن الداخلي قسماً من الجيش، أي تابعةً لدائرة الحربية، ويجوز أن يجعلها دائرةً مستقلةً أي دائرة الأمن الداخي.

غير أننا نتبنى استقلال هذا القسم، أي الشرطة التي بين يدي الحكام لحفظ الأمن، وأن يكون تابعاً لدائرة الأمن الداخلي كجهاز مستقل يتبع الخليفة مباشرة مثل باقي أجهزة الدولة، وذلك لحديث أنس السابق عن قيس ابن سعد، وكما بينا سابقاً من استقلال الدوائر الأربع المتعلقة بالجهاد، وأن يتبع كل منها الخليفة، وليس أن تكون كلها جهازاً واحداً.
وهكذا فإن الشرطة تابعة لدائرة الأمن الداخلي.

|
  • مهمات دائرة الأمن الداخلي

إن عمل دائرة الأمن الداخلي هو حفظ الأمن الداخلي للدولة. والذي يمـكن أن يؤدي إلى تهـديد الأمن الداخـلي عـدة أعمال:

منها الردة عن الإسـلام، والبغي أي الخـروج على الدولـة، إمـا بأعمـال الهدم والتخريب، كالإضرابات، والاحتلالات للمراكز الحيوية في الدولة والاعتصام فيها، مع التعدّي على ممتلكات الأفراد، أو ممتلكات الملكية العامة، أو ممتلكات الدولة. وإما بالخروج على الدولة بالسلاح لمحاربتها.

ومن أعمال تهديد الأمن الداخلي كذلك الحِرابة، أي قطع الطرق، والتعرض للناس لسلب أموالهم، وإزهاق أرواحهم.

وكذلك فإن من أعمال تهديد الأمن الداخلي الاعتداء على أموال الناس بالسرقة، والنهب، والسلب، والاختلاس، والتعدي على أنفس الناس بالضرب والجرح والقتل، وعلى أعراضهم بالتشهير والقذف والزنا.

كما أن من أعمال دائرة الأمن الداخلي التعامل مع أهل الريب، ودفع خطرهم وضررهم عن الأمة وعن الدولة.

هذه أبرز الأعمال التي تؤدي إلى تهديد الأمن الداخلي. ودائرة الأمن الداخلي تقوم على حماية الدولة والناس من جميع هذه الأعمال؛ ولذلك فإن من يرتدّ، ويحكم عليه بالقتل إن لم يرجع بعد أن يُستتاب، تقوم هي بتنفيذ القتل فيه، وإذا كان المرتدون جمـاعة فلا بد من مكاتبتهم، وطلب أن يَرجعوا إلى الإسلام، فإن تابوا ورجعوا والتزموا بأحكام الشرع سُكِت عنهم، وإن أصَرّوا على الردة يقاتلون، فإن كانوا جماعة قليلة، ويمكن للشرطة وحدها أن تُقاتلهم قامت بمقاتلتهم، وإن كانوا جماعة كبيرة، ولا تستطيع الشرطة أن تقدر عليهم، عليها أن تطلب من الخليفة أن يزودها بقوات عسكرية لمساعدتها، فإن لم تكفِ القوات العسكرية، طلبت من الخليفة أن يأمر الجيش بمساعدتها.

هذا بالنسبة للمرتدين. وأما بالنسبة للبغاة فإن كانت أعمالهم غير مسلحة، بأن اقتصرت على الهدم والتخريب، بالإضرابات والتظاهرات والاحتلالات للمراكز الحيوية، مع التعدّي على ممتلكات الأفراد والدولة والملكـية العـامة وتحـطـيمهـا، فإن دائـرة الأمن الداخلي تقتصر على اسـتخدام الشرطة لإيقاف هذه الأعمال الهدامة، فإن لم تستطع بها أن توقف هذه الأعمال طلبت من الخليفة أن يمُدّها بقوات عسكرية، حتى تستطيع أن توقف أعمال الهدم والتخريب، التي يقوم بها هؤلاء البغاة الخارجون على الدولة.

وأما إن خرج البغاة على الدولة، وحملوا السلاح، وتحيّزوا في مكان، وكانوا قوة لا تتمكن دائرة الأمن الداخليّ بالشرطة وحدها من إرجاعهم، والقضاء على تمرّدهم وخروجهم، فإنها تطلب من الخليفة أن يمُدّها بقوات عسكرية، أو بقوة من الجيش حسب الحاجة، لأجل أن تجابه الخارجين. وقبل أن تُقاتلهم تراسلهم، وترى ما عندهم، وتطلب منهم الرجوع إلى الطاعة، والدخول مع الجماعة، والكفّ عن حمل السلاح، فإن أجابوا وتابوا ورجعوا والتزموا بأحكام الشرع كفّتْ عنهم، وإن امتنعوا عن الرجوع، وأصَرّوا على الخروج والمقـاتلة، قاتلتهم قِتال تأديب، لا قِتال إفناء وتدمير، حتى يرجعوا إلى الطاعة، ويتركوا الخروج، ويرموا السلاح. كما قاتل الإمام عليّ رضي الله عنه الخوارج. فإنه كان يدعوهم أولاً، فإن تركوا الخروج كفّ عنهم، وإن أصرّوا على الخروج قاتلهم قتال تأديب حتى يرجعوا إلى الطاعة، ويتركوا الخروج، وحمل السلاح.

وأما المحاربون، وهم قُطّاع الطرق، الذين يتعرضون للناس، ويقطعون الطريق، ويسلبون الأموال، ويزهقون الأرواح، فإن دائرة الأمن الداخلي ترسل لهم الشرطة لمطاردتهم، وإيقاع العقوبة عليهم بالقتل والصَّلْب، أو القتل، أو قطع أيديهم وأرجلهم من خِلاف، أو نفيهم إلى مكان آخر، حسب ما جاء في الآية الكريمة:{إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ}[033:005]. ويكون قِتالهم ليس كقِتال البُغاة الخارجين على الدولة. فقتال البُغاة قتال تأديب، ولكن قِتال قُطّاع الطرق قِتال قَتْل وصَلب، يقاتلون مُقبلين ومُدْبرين، ويُعامَلون كما ورد في الآية. فمَنْ قَتَلَ وأخذ المال يُقتل ويُصلب. ومَنْ قَتَلَ ولم يأخذ المال يُقتَل ولا يُصلَب. ومَنْ أخذ المال ولم يقتُل تُقطَع يده ورجله من خِلاف، ولا يُقتَل. ومن أظهر السلاح، وأخاف الناس، ولم يَقتُل، ولم يأخذ المال، لا يُقتَل، ولا يُصلَب، ولا تُقطَع له يدٌ ولا رِجل، وإنما يُنفى مِن بلده إلى بلد آخر بعيد داخل الدولة.

ودائرة الأمن الداخلي تقتصر على استخدام الشرطة في مُحافظتها على الأمن، ولا تستخدم غير الشرطة، إلا في حالة عجز الشرطة عن إقرار الأمن، فتطلب عند ذلك من الخليفة أن يمدها بقوات عسكرية أخرى، أو بقوة من الجيش، حسب ما تدعو الحاجة إليه.

أما التعدي على الأموال بالسرقة والاختلاس والسلب والنهب، وعلى الأنفس بالضـرب والجـرح والقتل، وعلى الأعـراض بالتشـهير والقذف والزنا، فإن دائرة الأمن الداخلي تقوم بمنعها بواسطة يقظتها وحراساتها، ودورياتها، ثم بتنفيذ أحكام القضاة على مَن يقومون بالتعدي على الأموال، أو الأنفس، أو الأعراض. وكل ذلك لا يحتاج فيه إلا إلى استخدام الشرطة فقط.

ويعهد إلى الشرطة بحفظ النظام، والإشراف على الأمن الداخلي، والقيام بجميع النواحي التنفيذية؛ لحديث أنس المار في جعل النبي صلى الله عليه وسلم، قيسَ ابن سعد بين يديه بمنـزلة صاحب الشُرطَة، فإنه يدل على أن الشُرطَة يكونون بين يَدَيِ الحكام، ومعنى كونهم بين يديهم هو قيامهم بما يحتاجه الحكام من قوة التنفيذ، لتنفيذ الشرع، وحفظ النظام، وصيانة الأمن، وتقوم كذلك بالعسس، وهو الطواف بالليل، لتتبع اللصوص، وطلب أهل الفساد، ومن يُخشى شرهُم. وقد كان عبد الله بن مسعود أميراً على العسس في عهد أبي بكر، وكان عمر بن الخطاب يتولى بنفسه العسس، وكان يصطحب معه مولاه، وربما استصحب عبد الرحمن بن عوف. ولذلك كان من الخطأ ما يُفعَل في بعض البلدان الإسلامية من إقامة أصحاب الحوانيت حراساً في الليل يحرسون بيوتهم، أو إقامة الدولة حراساً على نفقة أصحاب الحوانيت؛ لأن هذا من العسس، وهو على الدولة، وهو من وظائف الشُرطَة، فلا يُكلَّف به الناس، ولا يُكلَّفون بنفقاته.

أما التعامل مع أهل الرِّيَب، وهم الذين يُخشى منهم ضرر وخطر على كيان الدولة أو الجماعة أو حتى الأفراد، هذا النوع من الرِّيب يجب تتبعه من قبل الدولة، ومن اطلع على شيء منه وجب عليه التبليغ عنه. والأدلة على ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن أرقم قال: «كنت في غزاة، فسمعت عبد الله بن أبيّ يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى يَنْفَضُّوا من حوله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم، ، فدعاني فحدثته… الحديث»، وفي رواية مسلم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم، ، فأخبرته بذلك. وابن أبيّ كان معروفاً تردُّدُه على الكفار المحاربين، وكذلك معروفة علاقاته معهم مثل ما كان مع اليهود حول المدينة، وأعداء الإسلام. وهنا يجب التعامل بكل دقة مع هذا الموضوع، حتى لا يختلط بالتجسس على الرعية الذي هو محرم؛ لقوله تعالى:{وَلَا تَجَسَّسُوا}[012:049] ولذلك يقتصر هنا فقط على أهل الرِّيب.

وأهل الرِّيب هم الذين يترددون على الكـفار المحـاربين فعلاً أو حكماً؛ وذلك لأن التجسس جائز على الكفار المحاربين من باب السياسة الحربية، ومنع الضرر على المسـلمين، وللأدلة الشـرعية الواردة في ذلك، وهي تشمل كل أهل الحرب؛ لأنهم إن كانوا حربيين فعلاً فواضح وجوبه على الدولة، وإن كانوا حربيين حكماً فكذلك جائز؛ لأن الحرب متوقعة معهم في كل وقت.

ويكون بذلك كلُّ فرد من أفراد الرعية يتردد على الكفار المحاربين، واقعاً تحت الريبة لاتصاله بالذين يجوز التجسس عليهم، أي الكفار المحاربين.

وتفصيل ذلك على النحو التالي:
1- التجسس على الكفار المحاربين فعلاً واجب على الدولة، وتؤكده بالإضافة إلى ما سبق قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» حيث إن معرفة قوة العدو وخططه وأهدافه ومواقعه الاستراتيجية ونحو ذلك، أمور لازمة لهزيمة العدو، وتتولاه دائرة الحربية، ويشمل كذلك الرعايا الذين يتصلون بالكفار المحاربين فعلاً؛ لأن الأصل أن لا يكون اتصال معتاد من الرعايا مع المحاربين فعلاً، حيث العلاقة معهم علاقة حرب.

2- التجسس على المحاربين حكماً جائز ويكون واجباً على الدولة في حالة الضرر كأن يخشى مساعدتهم للمحاربين فعلاً، أو الانضمام لهم. والكفار المحاربون حكماً نوعان:
الأول: الكفار المحاربون حكماً الذين في بلادهم، وهـؤلاء تتـولى التجسـس عليهم دائـرة الحـربية.

الثاني: الكفار المحاربون حكماً الذين يدخلون بلادنا، كالسفراء والمعاهدين ونحوهم، وهؤلاء تتولى مراقبتهم والتجسس عليهم دائرة الأمن الداخلي.

وتتولى دائرة الأمن الداخلي المراقبة والتجسس على من يترددون من الرعية على المسؤولين الكفار المحاربين حكماً أو ممثليهم في بلادنا، كما أن دائرة الحربية تتولى ذلك على من يترددون من الرعية عل المسؤولين الكفار المحاربين حكماً أو ممثليهم في بلادهم، ولكن بشرطين:
الأول: أن يظهر، نتيجة مراقبة دائرة الحربية ودائرة الأمن الداخلي للمسؤولين الكفار المحاربين حكماً أو ممثليهم، أنَّ تردد الرعايا على هؤلاء الكفار، سواء أكان في الخارج أم في الداخل، أمر غير عادي ولافت للنظر.

والثاني: أن يعرض ما يظهر للدائرتين المذكورتين على قاضي الحسبة، ويرى قاضي الحسبة من ذلك أنَّ في هذا التردد ضرراً متوقعاً على الإسلام والمسلمين.

فإن كان الأمر كذلك جاز لدائرة الأمن الداخلي التجسس على ذلك الصنف من الرعية الذي يتردد على المسؤولين الكفار المحاربين حكماً وممثليهم في بلادنا، وجاز لدائرة الحربية التجسس على أفراد الرعية الذين يترددون على المسؤولين الكفار المحاربين حكماً وممثليهم في بلادهم. والأدلة المتعلقة بكل ما سبق هي ما يلي:

1- إن التجسس على المسلمين حرام بنص الآية {وَلَا تَجَسَّسُوا} وهذا نهي عام عن الجاسوسية، فيبقى على عمومه ما لم يرد دليل التخصيص. ويؤكد هذا الحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود بسنده عن المقداد وأبي أمامة قالا: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الأمير إذا ابتغى الريبة من الناس أفسدهم» ولذلك فالتجسس على المسلم حرام، والحكم نفسه ينطبق على أهل الذمة من رعايا الدولة. فيحرم التجسس على الرعية، مسلمين كانوا أم غير مسلمين.

2- التجسس على الكفار الحربيين فعلاً، كمن نحن وهم في قتال، وعلى الكفار المحاربين حكماً كالذين يدخلون بلادنا معاهدين ومستأمنين كالسفراء ونحوهم، أو الكفار المحاربين حكماً في بلادهم، فالتجسس على هؤلاء جائز بل هو واجب على المحاربين فعلاً، وعلى المحاربين حكماً في حالة الضرر.

والأدلة واضحة في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنها:
جاء في سيرة ابن هشام عن سرية عبد الله بن جحش، حيث كتب الرسول صلى الله عليه وسلم، كتاباً، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، فلما سار عبد الله بن جحش يومين، فتح كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر فيه، فإذا فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنـزل نخلة بين مكة والطائف، فترصَّد بها قريشاً، وتعلَّم لنا من أخبارهم».

وجاء في سيرة ابن هشام في أحداث غزوة بدر: قال ابن اسحق: «ركب رسـول الله صلى الله عليه وسلم، هو وأبو بكر رضي الله عنه حتى وقف على شيخ من العرب، فسـأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم، فقال الشيخ لا أخبركما حتى تخـبرانـي مـمَّـن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أخبرتنا أخبرناك. قال أذاك بذاك؟ قال: نعم. قال الشيخ: ... وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي فيه قريش، فلما فـرغ مـن خـبره قال: ممـَّن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن من ماء، ثم انصرف عنه، قال يقول الشيخ: من ماء، أم من ماء العراق؟

ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أصحابه، فلما أمسى بعث على بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه، رضوان الله عليهم، إلى ماء بدر يلتمسون الخبر عليه، أي عيوناً على قريش».

وكذلك أورد ابن اسحق: فيما نقله ابن هشام تحت عنوان: بَسْبس ابن عمرو وعدي بن أبي الزغباء يتجسسان الأخبار، حتى قال: وسمع عدي وبسبس ذلك (أي ما قالت الجاريتان على الماء من أخبار قريش) فجلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبراه بما سمعا.

وهذه الأدلة وإن كانت تجاه قريش، وهي كانت محاربة فعلاً، إلا أن الحكم كذلك ينطبق على المحاربين حكماً لتَوَقُّع الحرب معهم. إنما الفرق فقط هو من حيث كونه واجباً في حالة المحاربين فعلاً؛ لأن السياسة الحربية لهزيمة العدو تقتضي ذلك، وهو جائز تجاه المحاربين حكماً لتوقع الحرب معهم. فإنْ كان يُخشى الضرر، أي يُتوقَّع مساعدتهم أو انضمامهم للمحاربين فعلاً، فقد أصبح واجباً على الدولة كذلك.

وهكذا فإن التجسس على الكفار المحاربين، جائز للمسلمين، وواجب على الدولة توفيره، بدليل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالقيام به كما سبق من أدلة. وهو كذلك واقع تحت «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب».

فإذا تردد أفراد الرعية، مسلمون أو ذميون، على الكفار المحـاربين، فـعـلاً أو حكماً، في بلادنا أو في بلادهم، فهؤلاء أهل ريبة يجوز التجسس عليهم وتتبع أخبارهم؛ وذلك لأنهم يترددون على مـن يجـوز التجسس عليهم، ولأنه يخشى منهم ضرر على الدولة إن تجسسوا للكفار.

ولكن حتى يجوز التجسس على أفراد الرعية هؤلاء يجـب تحـقـق الشـرطـين اللـذيـن ذكـرناهما.

وتتولى دائرة الحربية التجسس على الرعية الذين يترددون على المحاربين فعلاً، وكذلك على الرعية الذين يترددون في بلاد الكفار على المسؤولين الكفار المحاربين حكماً وممثليهم. كما أن دائرة الأمن الداخلي تتولى التجسس على أفراد الرعية الذين يترددون على المسؤولين الكفار المحاربين حكماً وعلى ممثليهم في بلادنا.


  • الأدلة الشرعية

روى البخاري عن أنس: «أن قيس بن سعد كان يكون بين يَدَي النبي صلى الله عليه وسلم بمنـزلة صاحب الشُرَطِ مِن الأمير»، والمراد هنا قيس بن سعد بن عُبادة الأنصاري الخزرجي، وقد رواه الترمذي: «كان قيس بن سعد من النبي صلى الله عليه وسلم بمنـزلة صاحب الشرطة من الأمير. قال الأنصاري: يعني مما يلي من أموره». وقد ترجم ابن حبان لهذا الحديث فقال: «احتراز المصطفى من المشركين في مجلسه إذا دخلوا».

أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري علي بن أبي طالب قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم والزبير وأبا مرثد، وكلنا فارس، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة حاج، هكذا قال أبو عوانة حاج، وفي روايةٍ خاخ، فإن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأتوني بها، فانطلقنا على أفراسنا حتى أدركناها، حيث قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تسير على بعير لها، وقد كان كتب إلى أهل مكة بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم. فقلنا: أين الكتاب الذي معك؟ قالت: ما معي كتاب. فأنخنا بها بعيرها، فابتغينا في رحلها فما وجدنا شيئاً. فقال صاحباي: ما نرى معها كتاباً. فقلت: لقد علمنا ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم حلف علي: والذي يحلف به لتـُخرِجنَّ الكتاب أو لأجردنـَّك. فأهوت إلى حجزتها، وهي محتجزة بكساء، فأخرجت الصحيفة فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم… الحديث».

عد إلى الأعلى