Menu

المعاونون

 

أجهزة دولة الخلافة

ثانياً: المعاونون (وزراء التفويض)

المعاونون هم الوزراء الذين يُعيّنهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمّل أعباء الخـلافة، والقيام بمسؤولياتها. فكثرة أعباء الخـلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخـلافة، ينوء الخليفة بحملها وحده، فيحتاج إلى مَن يعاونه في حملها، والقيام بمسؤولياتها.

ولا يصح تسميتهم (وزراء) دون تقييد، حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني، أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.

ووزير التفويض، أو معاون التفويض، هو الوزير الذي يعينه الخليفة ليتحمل معه مسؤولية الحكم والسلطان، فيفوض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضاءها حسب اجتهاده وفق أحكام الشرع، فيقلده الخليفة عموم النظر والنيابة.

أخرج الحاكم والترمذي عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وزيراي من السماء جبريل وميكائيل، ومن الأرض أبو بكر وعمر»، وكلمة الوزير في الحديث تعني الـمُـعين والمساعد، الذي هو المعنى اللغوي، وقد استعمل القرآن الكريم كلمـة (وزيـر) بهـذا المعنى اللغوي، قال تعالى: {وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي }[029:020]، أي مُعيناً ومساعداً. وكلمة (وزير) في الحديث مطلقة تشمل أي معونة، وأية مساعدة، في أي أمر من الأمور، ومنها إعانة الخليفة في مسؤولية الخـلافة وأعمالها. وحديث أبي سعيد ليس مختصاً بالمعاونة في الحكم؛ لأن جبريل وميكائيل وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء، لا علاقة لهما بمعاونته في مسؤولية الحكم وأعماله؛ لهذا فإن كلمة: «وزيراي» في الحديث لا تدل إلا على المعنى اللغوي الذي هو مُعينان لي. ويفهم من الحديث جواز تعدد المعاونين.

ومع أن أبا بكر وعمر لم يظهر عليهما القيام بأعباء الحكم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلا أن جعلهما وزيرين له، يجعل لهما صلاحية معاونته في كل شيء دون تحديد، بما فيه شؤون الحكم وأعماله. وقد استوزر أبو بكر بعد أن تولى الخـلافة عمر بن الخـطاب معـاوناً له، وكانت معـاونته له ظاهرة.

وبعد أن تولى الخـلافة عمر، كان عثمان وعلي معاونين له، إلا أنه لم يكن يظهر أن أياً منهما كان يقوم بأعمال المعاونة لعمر في شؤون الحكم، وكان وضـعهما أشـبه بوضـع أبي بكر وعمر مع الرسـول صلى الله عليه وسلم . وفي أيام عثمان كان علي ومروان بـن الحكـم معـاونين لـه، إلا أن علـيـاً كان مبـتـعـداً لعدم رضاه عن بعض الأعمال، لكن مروان بن الحكم كان ظاهراً قيامه بمعاونة عثمان في أعمال الحكم.

وإذا كان معاون التفويض وزير صدق فإنه يكون ذا نفع كبير للخليفة، حيث يذكِّره بكل خير ويعينه عليه. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه. وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لَم يذكِّره، وإن ذكر لَم يعنه» رواه أحمد. وقال النووي إسناده جيد. ورواه البزار بإسناد قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.

ومن دراسة عمل المعاون على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين، نجد أن المعاون يمكن أن يكلف في مسائل معينة، يكون له عموم النظر فيها، أو في كل المسائل بعموم النظر فيها. وكذلك يمكن أن يعيَّن في مكان يكون له عموم النظر فيه، أو في عدة أمكنة بعموم النظر فيها. أخرج الشيخان من طريق أبي هريرة قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة». وأخرج ابن خزيمة وابن حبان «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجِعرانة، بعث أبا بكر على الحج». أي أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وهما وزيرا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانا يكلفان بعموم النظر في أعمال معينة وليس في كل الأعمال على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على الرغم من أنهما معاونان (وزيران) مقلَّدان عموم النظر والنيابة كما تقتضيه وزارة التفويض. وكذلك كان علي وعثمان في عهد عمر. وحتى إنه في عهد أبي بكر حيث معاونة عمر لأبي بكر كانت ظاهرةً في عموم النظر والنيابة، لدرجة أن قال بعض الصحابة لأبي بكر لا ندري أعمر الخليفة أم أنت، ومع ذلك فقد ولّى أبو بكر عمرَ القضاء في بعض الفترات، كما أخرج البيهقي ذلك بسند قواه الحافظ.

وعليه فإنه يستفاد من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، أن المعاون يقلَّد عموم النظر والنيابة، ولكن يجوز أن يخصَّص المعاون بمكان أو عمل، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر وكما فعل أبو بكر مع عمر، كأن يولي معاوناً لمتابعة الولايات الشمالية وآخر لمتابعة الولايات الجنوبية، ويجوز أن يضع الأول موضع الثاني، والثاني موضع الأول، ويصرف هذا إلى العمل الفلاني وذاك إلى عمل آخر على الوجه الذي تقتضيه معاونة الخليفة، ولا يحتاج إلى تقليد جديد بل يصح هنا نقله من عمل لآخر؛ لأنه مقلَّد أصلاً عمومَ النظر والنيابة، فكل هذه الأعمال ضمن تقليده معاوناً. وفي هذه يختلف المعاون عن الوالي، فالوالي مقلَّد عموم النظر في مكان فلا يُنقل إلى غيره، بل يحتاج إلى تقليد جديد؛ لأن المكان الجديد ليس داخلاً في التقليد الأول. لكن المعاون مقلَّدٌ عموم النظر والنيابة فيجوز نقله من مكان إلى مكان دون حاجة إلى تقليد جديد، حيث هو مقلَّد أصلاً عمومَ النظر والنيابة في جميع الأعمال.

مما سبق يتبين أن الخليفة يقلد معاونه النيابة عنه في كل أرجاء الدولة مع عموم النظر في كل الأعمال، ومع ذلك فله أن يكلفه بعمل معين: مثلاً هذا لولايات المشرق، وذلك لولايات المغرب وهكذا. وتظهر ضرورة ذلك في حالة كون الوزراء أكثر من واحد حتى لا تتعارض أعمالهم.

وحيث إن حاجة الخليفة، وبخاصة مع اتساع الدولة، ستكون لأكثر من وزير، وجعل عمل كل منهم في كل أرجاء الدولة سيوجِد مشاكل في قيام الوزراء بعملهم؛ لاحتمال التداخل ما دام لكل منهم (عموم النظر والنيابة)، لذلك فنحن نتبنى:
من حيث التقليد: يقلَّد المعاون عموم النظر والنيابة في كل أرجاء الدولة.
ومن حيث العمل: يكلف المعاون بعمل في جزء من الدولة أي أن الولايات تقسم بين المعاونين فيكون هذا معاون الخليفة في المشرق، وذلك معاون الخليفة في المغرب، وآخر معاوناً له في ولاية الشمال وهكذا.
ومن حيث النقل: يُنقل المعاون من مكان إلى آخر، ومن عمل إلى آخر، دون الحاجة إلى تقليد جديد، بل بتقليده الأول؛ لأن أصل تقليده معاوناً يشمل كل عمل.

|
  • شـروط معـاون التفويض

يشترط في معاون التفويض ما يشترط في الخليفة، أي أن يكون رجلاً، حراً، مسلماً، بالغاً، عاقلاً، عدلاً، قادراً من أهل الكفاية فيما وُكِل إليه من أعمال.

وأدلة هذه الشروط هي أدلة الخليفة؛ لأن عمل المعاون من الحكم، فيجب أن يكون رجلاً؛ لقوله عليه السلام: «لن يفلح قوم وَلّوا أمرهم امرأة» رواه البخاري من طريق أبي بكرة. وأن يكون حراً؛ لأن العبد لا يملك أمر نفسه فلا يملك أن يتولى أمر غيره، وأن يكون بالغاً؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المعتوه حتى يبرأ» رواه أبو داود. وأن يكون عاقلاً؛ للحديث نفسه: «وعن المعتوه حتى يبرأ»، وفي رواية: «وعن المجنون المغلوب على عقله حتى يفيق». وأن يكون عدلاً؛ لأنه قد اشترطه الله في الشهادة فقال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ }[002:065]، فاشتراطه في معاون الخليفة من باب أولى. ويشترط في المعاون كذلك أن يكون من أهل الكفاية في أعمال الحكم، حتى يتمكن من معاونة الخليفة في تحمّل أعباء الخـلافة، ومسؤولية الحكم والسلطان.

 

  • عمل معـاون التفويض

عمل معاون التفويض هو أن يرفع إلى الخليفة ما يعتزمه من تدبير، ثم مطالعة الخليفة لما أمضاه من تدبير، وأنفذه من ولاية وتقليد، حتى لا يصير في صلاحياته كالخليفة. فعمله أن يرفع مطالعته، وأن ينفذ هذه المطالعة ما لم يوقفه الخليفة عن تنفيذها.

والدليل على ذلك هو واقع المعاون أيضاً من أنه نائب عن الخليفة فيما كلِّف به. والنائب إنما يقوم بالعمل نيابة عمن أنابه، فلا يستقل عن الخليفة، بل يطالعه في كل عمل، تماماً كما كان يفعل عمر مع أبي بكر حين كان وزيراً له، فقد كان يطالع أبا بكر فيما يراه. وينفذ حسب ما يرى. وليس معنى مطالعته استئذانه في كل جزئية من الجزئيات، فإن هذا يخالف واقع المعاون، بل معنى مطالعته هو أن يذاكره في الأمر، كحاجة ولاية من الولايات إلى تعيين والٍ قدير، أو إزالة ما يشكو منه الناس من قلة الطعام في الأسواق، أو غير ذلك من جميع شؤون الدولة. أو أن يعرض عليه هذه الأمور مجرد عرض، بحيث يطلع عليها ويقف على ما تعنيه، فتكون هذه المطالعة كافية لأن يقوم بكل ما ورد فيها بكل تفصيلاته، من غير حاجة إلى صدور الإذن بالعمل. ولكنه إذا صدر الأمر بعدم تنفيذ هذه المطالعة لا يصح أن ينفذها. فالمطالعة هي مجرد عرض الأمر، أو المذاكرة به، وليس أخذ الإذن بالقيام به. وله أن ينفذ المطالعة ما لم يوقفه الخليفة عن تنفيذها.

ويجب على الخليفة أن يتصفح أعمال معاون التفويض وتدبيره للأمور، ليقرّ منها الموافق للصواب، ويستدرك الخطأ؛ لأن تدبير شؤون الأُمة موكول للخليفة، ومحمول على اجتهاده هو؛ وذلك لحديث المسؤولية عن الرعية، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «الإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته». فالخليفة موكول إليه تدبير الأمور، وهو مسؤول عن الرعية، ومعاون التفويض ليس مسؤولاً عن الرعية، بل مسؤول فقط عما يقوم به من أعمال، والمسؤولية عن الرعية إنما هي للخليفة وحده؛ ولذلك كان واجباً عليه أن يتصفح أعمال المعاون وتدبيره، حتى يقوم بمسؤوليته عن الرعية. وأيضاً فإن معاون التفويض قد يخطئ، فلا بد من أن يستدرك الخطأ الذي يقع منه، فكان لا بد من أن يتصفح جميع أعماله؛ فمن أجل هذين الأمرين: القيام بالمسؤولية عن الرعية، واستدراك الخطأ من معاون التفويض، وجب على الخليفة أن يتصفح جميع أعمال المعاون.

فإذا دبر معاون التفويض أمراً وأقره الخليفة، فإن له أن ينفذه كما أقره الخليفة ليس بزيادة ولا نقصان. فإن عاد الخليفة وعارض المعاون في رد ما أمضاه ينظر، فإن كان في حكم نفذه على وجهه، أو مال وضعه في حقه، فرأي معاون التفويض هو النافذ؛ لأنه بالأصل رأي الخليفة، وليس للخليفة أن يستدرك ما نفذ من أحكام، وأنفق من أموال. وإن كان ما أمضاه المعاون في غير ذلك، مثل تقليد والٍ، أو تجهيز جيش، جاز للخليفة معارضة معاون التفويض، وينفذ رأي الخليفة، ويلغى عمل المعاون؛ لأن للخليفة الحق في أن يستدرك ذلك من فعل نفسه، فله أن يستدركه من فعل معاونه.

فهذا وصف لكيفية قيام معاون التفويض بأعماله، وكيفية تَصفّح الخليفة لأعمال المعاون، وهذا مأخوذ مما يجوز للخليفة أن يرجع عنه، وما لا يجوز له أن يرجع عنه من الأعمال؛ لأن عمل معاون التفويض يعتبر عملاً للخليفة. وبيان ذلك أنه يجوز لمعاون التفويض فيما أنيب فيه: أن يحكم بنفسه، وأن يقلّد الحكام، كما يجوز ذلك للخليفة؛ لأن شروط الحكم فيه مُعتَبرة. ويجوز أن ينظر في المظالم ويستنيب فيها؛ لأن شروط المظالم فيه مُعتَبرة. ويجوز أن يتولّى الجهاد بنفسه، وأن يُقلّد مَن يتولاه؛ لأن شروط الحرب فيه مُعتبرَة. ويجوز أن يباشر تنفيذ الأمور التي دبرها، وأن يستنيب في تنفيذها؛ لأن شروط الرأي والتدبير فيه مُعتبَرة. إلا أن ذلك لا يعني أن ما قام به المعاون لا يصح للخليفة أن يلغيه ما دامت قد رفعت مطالعته إليه، بل معناه أنه يملك ما للخليفة من صلاحيات فيما كلِّف من أعمال، ولكن بالنيابة عن الخليفة، وليس بالاستقلال عنه؛ فيجوز للخليفة أن يعارض المعاون في رد ما أمضاه، وإلغاء ما قام به من أعمال. ولكن في حدود ما يجوز للخليفة أن يرجع عما يقوم به هو نفسه من أعمال. فإن كان المعاون قد نَفّذ حكماً على وجهه، أو وضع مالاً في حقه، وجاء الخليفة وعارض المعاون في ذلك بعد التنفيذ، فلا قيمة لمعارضته، بل يُنفّذ عمل المعاون، ويردّ رأي الخليفة واعتراضه؛ لأنه بالأصل رأيه، وهو في مثل هذه الأحوال لا يصحّ له أن يرجع عن رأيه في ذلك، أو يلغي ما تَمّ تنفيذه؛ فلا يصح أن يُلغي عمل معاونه فيها. أما إن كان المعاون قد قَلّد والياً، أو موظفاً، أو قائد جيش، أو غير ذلك من التقليد، أو كان قد وضع سياسة اقتصادية، أو خطة عسكرية، أو مخططاً للصناعة، أو ما شاكل ذلك، فإنه يجوز للخليفة أن يلغيه؛ لأنه وإن كان يعتبر رأي الخليفة، ولكنه مما يجوز للخليفة أن يرجع عنه لو قام به هو نفسه؛ فيجوز له أن يُلغي عمل نائبه فيه، ففي هذه الحال يجوز أن يُلغي أعمال المعاون. والقاعدة في ذلك هي: كل ما جاز للخليفة أن يستدركه من فعل نفسه جاز له أن يستدركه من فعل معاونه، وكل ما لم يجز للخليفة أن يستدركه من فعل نفسه لا يجوز له أن يستدركه من فعل معاونه.

ولا يخصص معاون التفويض بأي دائرة من الجهاز الإداري كدائرة المعارف مثلاً، لأن الذين يباشرون الأمور الإدارية أجراء وليسوا حكاماً، ومعاون التفويض حاكم، وليس بأجير، فعمله رعاية الشؤون، وليس القيام بالأعمال التي يستأجر الأجراء للقيام بها.

ومن هنا جاء عدم مباشرته الأمور الإدارية. وليس معنى هذا أنه ممـنوع من القيام بأي عمل إداري، بل معناه أنه لا يختص بأعمال الإدارة، بل له عموم النظر.

 

  • تعيين المعاونين وعـزلهم

يعيَّن المعاون ويُعزل بأمر من الخليفة.  وعند وفاة الخليفة فإن المعاونين تنتهي ولايتهم، ولا يستمرون في عملهم إلا فترة الأمير المؤقت.  ثم يحتاجون إلى تقليد جديد من الخليفة الجديد كي يستمروا في عملهم.  ولا يحتاجون إلى قرار بالعـزل؛ لأن ولايـتـهـم في حكم المنتهية بوفاة الخليفة الذي اتخذهم معاونين له.

عد إلى الأعلى