Menu

عندما يصبح الدين تجارة!

 

 

عندما يصبح الدين تجارة!

انتشرت في الفترة الأخيرة تهمة المتاجرة بالدين وتعالت أصوات المنادين بفصل الإسلام عن السياسة والحذر من أي خطاب ديني أو نقاش مبني على أسس عقدية، روّجت هذه الفئة العلمانية على أنها الحصن الأمين أمام ابتزاز المتاجرين بالدين وتناقلوا مقولة ابن خلدون: "الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين تكون تجارة رائجة جدا في عصر التراجع الفكري للمجتمعات".


حصرت هذه الأقلام مشاكل العصر بمظاهر التدين وتذمرت من الملتزمين بل واتهمت المنقبة والملتحي والفقيه بأنهم يتاجرون بالدين ويبالغون في إظهار تدينهم بينما ادّعوا هم حمل لواء الوعي والتنوير والعقلانية. تغنّى أصحاب هذه الأقلام بنغمة كشف مخططات المنتفعين من الدين وضرورة التفريق بين من يخدم الدين ومن يستغله. خرجوا يحاربون من يعطي الفتاوى الدينية دون تصريح وزي رسمي وسخروا منه وتهكموا عليه وكأنه يبيع صكوك الغفران في عصور الظلام.. ارتبطت شعارات لا دين في السياسة ولا تجارة في الدين وليحيا الدين نقياّ "روحانيا".


ولكن اللافت للنظر أنّ تِلكمُ الأقلام المتحمسة جفّ مدادها عندما اجتاحت الدول الغربية في الأيام القليلة الماضية حمّى التسوق باسم الدين. لم نسمع عبارة المتاجرة بالدين بل على العكس تبادلوا التهاني وانتقدوا من لم يشارك في أعياد النصارى واتهموهم بمحاربة قيم التسامح وعدم احترام الآخر. لم يروا بأسا في تزاحم الناس على الأسواق في إطار التجهيزات لأعياد الميلاد ومليارات الدولارات التي تسرق من جيوب الفقراء تحت مسمى إحياء الشعائر الدينية!! تجهيزات لأعياد دينية تكون أبعد ما يكون عن الروحانيات وتخنقها النزعة الاستهلاكية.


لم يعد الكريسماس مناسبة دينية روحانية واحتفالات عائلية بسيطة بل هيمنت عليه الرموز الدينية التي تحولت مع الوقت لتجارة مربحة مثل شجرة الميلاد وطقوس شراء وتبادل الهدايا والاحتفاء بأسطورة بابا نويل (سانتاكلوس أو نيكولاس) أو مراسم عشاء الميلاد. لم يعد الكريسماس عيداً للنصارى فقط بل أصبح طقساً موسمياً يحتفل به أيضاً الملحدون وأصحاب الديانات الأخرى، يحضرون له ويشاركون بطقوسه الاستهلاكية ويقبلون فيه على الشراء واقتناء المنتجات المميزة لهذا الموسم.


أصبح عيد الميلاد "الكريسماس" أكبر محفز اقتصادي economic stimulus"" للعديد من الدول حيث تزدهر التجارة وترتفع المبيعات بشكل ملحوظ، قطاع التجزئة في الولايات المتحدة الأمريكية حصل على أرباح تصل لثلاثة ترليون دولار في عطلة عام 2013 مما يعني 19.2% من إجمالي مبيعات ذلك العام. أما التوقعات لهذا العام بالنسبة لمبيعات التكنولوجيا الملبوسة في فترة عيد الميلاد في بريطانيا (ساعات وخلافه) فقد تتجاوز 104,7 مليون جنيه استرليني (ريتيل تكنولوجي 24/12/2014).


يصاحب أجواء قداس عيد الميلاد تكهنات ورصد لإيرادات السينما والمسارح ووسائل الترفيه وسباق شرس للشركات من أجل الوصول إلى القمة والمحافظة على النجاح. تستمر حمّى الشراء لأسابيع عدة فما أن تنتهي أعياد الميلاد حتى يبدأ موسم التخفيضات المنتظر ويخرج الناس قبل الفجر ليقفوا بالساعات الطوال.. ازدحام في المتاجر وليس الكنائس وطوابير لشراء الماركات العالمية وليس للصلوات والابتهالات.. يضحي الشخص بنومه وراحته وحتى كرامته ليحصل على مطلبه فيضيئ ذلك المكان المظلم في قلبه ولو لدقائق.


إنه موسم الشراء من أجل الشراء، يشتري الجيمع الهدايا للآخرين وتكون معظمها هدايا غير مرغوب فيها فيعمل صغار الرأسماليين على ابتكار أسواق ثانوية تستفيد من هذه الهدايا وتعيد تداولها بين الناس. عيد ميلاد يتحول في كل عام لعيد تتويجٍ للرأسمالية وحفلٍ لتقديس الماركات العالمية، يحتفي فيه المتعبدون بآخر إصدار لشركة أبل وآخر صيحات بيوت الأزياء من العطور والأزياء وغيرها. يتزاحم فيه الناس على شراء النسخ الفريدة من المصمم والمحلات الكبرى وكأنهم في مناسك مقدسة يسعون لرضا خالقهم عبر أفعال مخصوصة.. انقلبت الآية فتحول الكريسماس من عيد ديني لواقع أصبح فيه التسوق ديناً!


كل هذا وألسنة دعاة العلمانية في بلادنا مسلطة على محاربة الإسلام السياسي بل ولا يجدون غضاضة في المساهمة بالدعاية لأغلى شجرة عيد ميلاد أو التفنن في إهدار الأموال على الألعاب النارية ليلة رأس السنة أو استيراد أسطورة سانتاكلوس (بابا نويل أو نيكولاس) وطرحها لأطفالنا بكل الوسائل وكأنها من تراث البادية، سوّقوا الأسطورة في أرجاء العالم حتى ألِفها الصغار وتعلقوا بها.. وفي كل عام تطل علينا أسطورة سانتاكلوس بزيه الأحمر المميز ولحيته الناصعة البياض ووجهه الضحوك وهو يحمل جرابه ويطوف على البيوت حاملاً الهدايا مخاطباً خيال الطفل وغريزة التملك في الإنسان وحبه للاهتمام.


قد يحلم الناس في الغرب بكريسماس أبيض ينزل فيه الثلج ليعم التفاؤل والأمل والرخاء ودفء الأسرة ولكن أيفترض أن يشاركهم أهالي خط الاستواء وأقاصي آسيا وأمريكا الجنوبية هذا الحلم؟! هل يحلم بالثلج من حُرم الدفء وافترش الطرقات أو ذاق مرارة العيش في المخيمات؟! هل يسرح الأطفال بعربة بابا نويل وتطربهم ضحكته المميزة وهو يجتاح الثلوج بسحر وبطولة ليوصل الهدايا الثمينة وهم لا يجدون التعليم والدواء والماء النظيف في الألفية الثالثة.. إنه الحلم الأمريكي يلبس قناع الأعياد الدينية.. لعمري إنها أضغاث أحلام يفيق منها جياع العالم على بطون تقرقر وريق ناشف وثياب رثة وصوت المدافع والرشاشات ولوعة اقتتال الأهل على الفتات.


والأعجب مما سبق أيها الكرام، أن المنتقدين للمتاجرة بالدين ملأوا الدنيا ضجيجاً ولكنهم لا يرون حرجاً في دعم الدول لشخصيات معينة وإظهارهم بمظهر رجال الدين واحتكار هؤلاء للإفتاء والمجامع. يحاربون تجارة الدين ولا يهاجمون تقييد الفكر والرأي والحجر على المخالفة المبنية على أسس شرعية وهيمنة أسماء معينة على الوسط الفقهي والثقافي.. لا يرون أن الإصرار على المحافظة على الوضع الحالي فيه ترسيخٍ لفكرة رجال الدين بل وإفساد لهم. هذا لأن الأصوات المتعالية التي ترفض المتجارة بالدين تقدس الاحتكار والقوالب النمطية وتهاب التغيير الجذري المبدئي وترى أن لهم سهما مهمّا في المحافظة على "المونوبولي". إنهم يرون رجال الدين الذين يبنون القصور من وراء دعم السلاطين المفسدين وتأييد أصحاب المليارات ولا يأخذون على أيديهم بل يتركون الحديث مرسلا لأن تجار الدين لا يعنونهم في شيء فهم يرمون إلى ما هو أبعد من ذلك.. إنهم يرفضون أن يكون للدين أي أثر في الحياة ومصالحهم متوافقة وليست متعارضة مع المفسدين من حملة العلم (ولا نقول عنهم علماء حتى يعودوا لرشدهم ويقدروا الله حق قدره). نعم إن من يحارب المتاجرة بالدين قد لا يهمه أمر العلماء المفسدين وإن باعوا صكوك الغفران في كبرى الميادين وقبضوا الثمن على عيون الأشهاد لأن مراده أن لا يحكم الناس بشرع الله ولكن الله متم نوره ولو كره من في الأرض جميعا.


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن، وما ازداد أحد من السلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً».


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

عد إلى الأعلى