Menu

بل خلافة على منهاج النبوة أيها المتطاولون

إن الناظر إلى حال الأمة اليوم تتقطع نياط قلبه ألماً وحسرة لما لحق بها من انكسار وتشتت وتمزق وضعف، وكيف لا يتقطع القلب ألماً وهو يرى الأمة وقد توالت عليها النكبات وأثقلتها الجراحات وأقعدتها عن السير العثرات، وهانت من ضعفها حتى تجرأ عليها من تجرأ من الدول والشعوب وتداعت عليها الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها لا من قلة، ولكنها غثاء كغثاء السيل.

اليوم نحن أمة ضعفت بعد قوة وتعثرت في سيرها بعد مجد وسؤدد، ولا غرابة في هذا؛ فإن الأمم تمر بدورات بين مد وجزر، صعود وهبوط، ويمكن أن تتعثر مرحلياً فلكل حصان كبوة، ولكن العجيب الغريب أن هذه الأمة تبدو وكأنها لا ترغب في النهوض من عثرتها ولا تريد أن تفارق ضعفها إلى القوة، وكأنها أدمنت الضعف والانكسار، كما وصف حالها أحد الشعراء بقوله:  

                           

كساها الذل ثوبا بربريا :..: وتبرق في نواظرها الزيوف

وتسرح كالشياه بكل أرض :..: وحول حما مذلتها تطوف

فلا راعٍ له رايات حزم :..: تُرص له الفيالق والصفوف

لم يكفِ الأمة اليوم ما حل بها من المصائب والنكبات وذلك لأخذها شرعاً لا يمت لعقيدتها بصلة، ونمطاً في العيش يتناقض مع فكرتها الكلية عن الكون والإنسان والحياة بعيداً عن أفكارها التي توجد لديها المفاهيم التي تنعكس على سلوكها، بل لقد تعدت ذلك بكثير، فها هم حكام المسلمين اليوم يتنصلون لأحكام الإسلام جهاراً نهاراً بدون قليل من حياءٍ أو خجل، تنصلوا لأحكام الإسلام في الجانب السياسي بأن استبدلوا بنظام الخلافة الأنظمة الجمهورية والديمقراطية والدولة المدنية، والفدرالية وغيرها، كما فعلوا الشيء نفسه في بقية الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، بل ويناضلون من أجلها باذلين الغالي والنفيس من الدماء والأموال وحتى الأعراض!!

ألم يفكر المسلمون من الأحق بطلب رضاه والخشية منه، الله الخالق البارئ المدبر أم الغرب الكافر، ألم يقرأوا قوله تعالى: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: 13]؟

لقد وصل الحال بحكام المسلمين والنافذين في كل بلد من بلاد المسلمين إلى تقديم الخدمة للغرب الكافر في تشويه صورة الإسلام وذلك بلصق تهمة الإرهاب به برغم معرفتهم بمن يصنع الإرهاب ومن يصدره ويدعمه، وما المسلمون الذين ينقادون لجماعات مخترقة غير واعية أو غير مخلصة إلا أدوات لتنفيذ هذه المخططات الهدامة مقابل مصالحٍ دنيوية زائلة نتيجة جهل مطبقٍ عن أحكام وأنظمة الإسلام وذلك لغياب كيانه التنفيذي وهي الدولة.

إن التشويه لنظام الحكم في الإسلام، الخلافة على منهاج النبوة متعمد، وذلك لثني عزيمة المخلصين العاملين لإقامة دولتها التي ترعى شؤون الرعية بأحكام الإسلام، وتثبيطاً لهمم المسلمين للرضى بالواقع السيئ، لتظل الأمة تحت رحمة أعدائها وعملائهم، ومن ضمن هذا التشويه المتعمد ما أوردته صحيفة اليمن اليوم اليومية الصادرة في اليمن يوم الأحد في عددها رقم (1282) بتاريخ 7 شباط/فبراير 2016م تحت عنوان "القاعدة في الجنوب: الخلافة المؤجلة" نقلاً عن صحيفة الأخبار اللبنانية، والتي نسبت كل أعمال القاعدة والإخوان في اليمن، وكذلك أعمال تنظيم الدولة في العراق وسوريا لدولة الخلافة التي لم توجد بعد، أملاً من هؤلاء وأمثالهم في إلصاق الإرهاب بالإسلام، وتشويه صورة دولة الخلافة في عقول الناس كخطةٍ استباقيةٍ لقيام دولة الخلافة على منهاج النبوة.

إن دولة الخلافة الإسلامية هي نظام الحكم في الشريعة الإسلامية الذي يقوم على بيعة قائد مسلم على الدولة الإسلامية ليحكمها بالشريعة الإسلامية. وسميت بالخلافة لأن الخليفة هو قائدهم وهو من يخلف محمداً رسول الله في الإسلام لتولي قيادة المسلمين والدولة الإسلامية، وعليه فإن غاية الخلافة هي تطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها، وحمل رسالته إلى العالم بالدعوة والجهاد.

وللعلم فإن ما تقوم به الأحزاب والتنظيمات والجماعات التي تنتسب إلى الإسلام من أعمال مادية متمثلة في قتل الأبرياء وتفجير المساجد والأماكن العامة وغير ذلك، كل هذه الأعمال لا تمت للإسلام كدين ولا للخلافة كنظام حكم بصلة، وإنما تشوه صورة الإسلام خدمةً لأعداء الأمة، فالقتال الدائر بين المسلمين هو نتيجة صراع دولي بين دول الكفر على ثروات المسلمين، ولإذلال المسلمين وتركيعهم للرضا بحلول الغرب ومعالجاته التي لا تمت لعقيدة المسلمين بصلة، وذلك لتبقى بلدان المسلمين ممزقةً مبعثرة لا تجتمع تحت رايةٍ ودولةٍ واحدة، ولكن أنى لهم ذلك، فوعد الله قائم وبشرى رسوله آتية بإذنه تعالى، متى ما استحق المسلمون النصر، وذلك مربوط بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

فمهما عمل أعداء الله وعملاؤهم من محاولات لإطفاء نور الله في الأرض فستبوء بالفشل وسيتحقق وعد الله بإذنه تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]. وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: 8 – 9]. وستتحقق بشرى رسوله eحيث يقول: «... ثم تكون خلافة على منهاج النبوة».

وخلاصة القول: إن كل ما يحدث في بلاد المسلمين، يهدف به الغرب الماسك بخيوط اللعبة بين أهل كل بلد يشهد أحداثاً مأساوية، وذلك للوصول بهم إلى الرضا والاستسلام والقبول بحلوله التي لا تخدم إلا مصالحه فقط.

وفي الحقيقة لا لوم عليه بل اللوم علينا لأننا أخذنا أفكاره وطبقنا أنظمته وقوانينه وتركنا نظام ديننا الرباني، وستبقى بلاد المسلمين ساحات حروب، دماء وأموال وأعراض المسلمين وقودها، إلى أن يرجع المسلمون رجوعاً صحيحاً لدينهم، ويقيموا دولتهم التي تطبق عليهم أحكام وأنظمة عقيدتهم، وتحمل دينهم لغيرهم رسالة نور وهداية، عند ذلك تتحقق لهم العزة والتمكين ورضوان ربهم.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله القاضي

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية اليمن

آخر تعديل علىالأربعاء, 24 شباط/فبراير 2016 19:47
عد إلى الأعلى