Menu

الارتفاع المطرد للفقر الغذائي في المملكة المتحدة

 

الارتفاع المطرد للفقر الغذائي في المملكة المتحدة
(مترجم)

لقد نشرت الأحزاب البرلمانية البريطانية في يوم الاثنين 8 كانون الأول/ديسمبر تقريرها حول التحقيق عن انتشار الجوع والفقر الغذائي في المملكة المتحدة والذي جاء بعنوان "التغذية في بريطانيا". وقد وصف التقرير الطلب المتزايد على المساعدات الغذائية الطارئة بين سكان المملكة المتحدة، وكانت هذه الزيادة في بعض الأحيان تحدث بشكل كبير، وكذلك وصف التقرير الزيادة في التوجه نحو بنوك الطعام لإطعام أسرهم بسبب ارتفاع معدلات الفقر في المجتمع. ووفقًا للتقرير، فإن 4 ملايين شخص معرضون لخطر الجوع، وأن هناك 500000 طفل يعيشون في أسر لا تستطيع توفير الطعام لهم، وأن هناك 3.5 مليونًا من البالغين لا يتمكنون من الحصول على تغذية سليمة. وقد ورد في التقرير أن "هناك الكثير من الناس يعيشون في أسر ذات دخل منخفض وغالبًا ما يواجهون اختيار إنفاق المال على الغاز أو على الطعام". وقد كشف التحقيق أنه منذ إنشاء المؤسسة الخيرية تروسل في عام 2004، وهي أكبر بنك مزود للطعام في المملكة المتحدة، فإن أعداد مقدمي المساعدات الغذائية قد تزايدت إلى 1500 موزع على الأقل بما فيها 800 من بنوك الغذاء. وقد قدمت بنوك مؤسسة تروسل الخيرية وحدها والبالغ عددها 420 بنكًا المساعدة إلى حوالي 913000 شخص في 2013/2014، وهي زيادة عن العدد السابق البالغ 129000 في 2011/2012، وهذه المؤسسة الخيرية تفتح 3 بنوك طعام جديدة في الأسبوع. ويُعزى سبب هذا الارتفاع في الفقر الغذائي إلى الأعباء على الدخل، وارتفاع تكاليف المعيشة بسبب ارتفاع معدلات التضخم، وخفض الرعاية (الاجتماعية) الحكومية والعقوبات، وفواتير الخدمات العامة المفرطة مثل الغاز والكهرباء. ووفقًا لمعدي التقرير، فإن الكثير من الأسر في حاجة ماسة جدًا إلى تجنب طردهم من منازلهم بسبب التأخر في سداد الإيجار أو أن إمدادات الغاز أو الكهرباء ستنقطع عنهم، أو أن يصبحوا بلا طعام أو يتوجهون إلى بنوك الطعام للحصول على المساعدة.


إنه من المروع تمامًا أنه في بلد غني كبريطانيا حيث إن الحكومة تملك القدرة على إنقاذ المؤسسات المالية بمليارات الجنيهات، وحيث إن الملايين تُدفع كعلاوات للمصرفيين الأغنياء، وحيث إن الحكومة قد أعلنت في هذا الشهر فقط عن خطة لإدخال تحسينات على الطرق تقدر بحوالي 15 مليار جنيه إسترليني، إنه مروع حقًا أنه في بلد مثل هذا يعيش ملايين المواطنين وهم محرومون من حصص غذائية تضمن قوتهم وصحتهم. ووفقًا لبعض الخبراء، فإن الجوع في بريطانيا قد أصبح "حاجة صحية عامة وملحة". وقد وصف العلماء والأطباء في مجال الصحة العامة أيضًا أن حالات دخول المستشفيات قد شهدت ارتفاعًا كبيرًا بسبب سوء التغذية منذ بداية الأزمة الاقتصادية في عام 2008. وقد نُسب ذلك إلى عدم الحصول على الأطعمة المغذية بسبب الفقر. وقد ذكروا أن حالات سوء التغذية قد تضاعفت منذ 2008/2009. كما أن جمعية خيرية للأطفال، وشركة أطفال، قد وصفتا أن "وباء الجوع الصامت" ينتشر بين الشباب في المملكة المتحدة.


إن اقتباسًا شهيرًا يقول "إن مقياس الحضارة هو كيف تعامل هذه الحضارة أضعف مواطنيها". ولكن بعض الدول من خلال الإهمال التام في رعاية مواطنيها الأكثر ضعفًا، دولًا مثل بريطانيا والولايات المتحدة والتي تعاني أيضًا من مستويات سيئة جدًا من الفقر الغذائي قد أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك الفشل المطبق لأنظمتهم الرأسمالية في علاج المشاكل البشرية بطريقة عادلة وإنسانية. وإنه من الواضح بشكل صارخ أن هذا النظام الخاطئ يفتقر إلى القدرة والإرادة لعلاج الفقر والقضاء عليه. وإن سياسات تلك الدول بدلًا من ذلك فقد جعلت الثروة تتركز في أيدي قلة وفي الوقت نفسه أفقرت عامة الناس. وإن تبنيها لمبادئ السوق الحرة الفاشلة، مثل السماح لخصخصة الموارد الطبيعية قد قضى على موارد الشعوب المالية. إن الملايين من المواطنين العاديين قد أصبحوا رهن شركات الغاز والكهرباء والمياه الضخمة من أجل الحصول على الضروريات الحيوية للإنسان. وهذه الطاقات الأساسية يجب أن تكون بحق ضمن الملكيات العامة من أجل أن يحصل جميع الناس بالعدل على نصيبهم منها. وعلى الرغم من كل هذا، فإن دعاة النظام الرأسمالي، بما في ذلك الحكومات الغربية، تواصل خداعها بالترويج للنماذج المالية الرأسمالية السامة على الصعيد العالمي باعتباره أفضل وسيلة لإدارة اقتصاد الدول، بغض النظر عن تأثيرها المدمر الظاهر على المجتمعات. وهم يرون أيضًا أنهم أفضل من يلعب دور المخلص للاقتصاد العالمي فنَصَّبوا أنفسهم للقيام بهذا الدور، وتولوا مهمة وعظ وتوجيه الدول على الصعيد العالمي بما في ذلك الدول القائمة في العالم الإسلامي، حول الطرق والأساليب التي يستثمرون بها أموالهم على الرغم من أن عجزهم عن معالجة الفقر في بلادهم أمر ظاهر للعيان.


إن النظام الرأسمالي، بالإضافة لكل ما سبق، عمل على تركيز العقلية والتفكير الرأسمالي عند حكام هذه الدول، هؤلاء الحكام الذين لا يرون أنهم رعاة حقيقيون لشعوبهم. إنهم بالأحرى يرون أن استلام الحكم والحكومة مثل إدارة الأعمال، فلا يكترثون بالتكلفة البشرية نتيجة لسياساتهم وقوانينهم الظالمة، ويقدمون مصالح الأغنياء والأقوياء على الفقراء والضعفاء. وقد أثبتوا أنهم فوق المحاسبة ولا يكترثون مطلقًا لمصاعب ومعاناة من يحكمونهم. فعلى سبيل المثال، خلال نشر تقرير "التغذية في بريطانيا"، تسببت تعليقات البارونة جينكينز، وهي أحد الأعضاء المحافظين وعضو في لجنة التحقيق، بإثارة الغضب. فقد قالت إن الفقراء قد أصبحوا جوعى لأنهم لا يعرفون كيف يُطهى الطعام. فكيف لمثل هؤلاء أصحاب العقليات الرأسمالية والذين لا يعانون مما يعاني منه عامة الناس، كيف لمثل هؤلاء أن يتولوا بإخلاص رعاية شعوبهم؟!


إن نهج هذه العقليات الرأسمالية في الواقع تقوم على إلقاء اللوم على الفقراء أنهم هم السبب في مصاعبهم المالية من أجل صرف الانتباه بشكل ساخر عن الفشل الواضح لعقيدتهم الرأسمالية وأنظمتهم. فقد صرح إيان دنكان سميث، وزير العمل والمعاشات التقاعدية، أن الناس تتوجه لبنوك الطعام بسبب الطلاق أو المرض أو الإدمان على المخدرات، وإنه "مثير للسخرية" أن يُلقى اللوم على الحكومة. واللورد ناش، وزير التعليم، قد علق أيضًا فيما يتعلق بتزايد الفقر الغذائي أن الفقراء بحاجة إلى مزيد من التعليم في إدارة أموالهم. إن هذه الاقتراحات الهزلية أن مرض الفقراء أو عدم معرفتهم لكيفية الطهي أو حاجتهم لمهارات إدارة الميزانيات هي افتراضات خاطئة كاذبة لأسباب تزايد أوضاع الفقر التي يعاني منها المجتمع برمته، وإن ذلك ببساطة يعزز حقيقة أن النظام الرأسمالي والمدافعين عنه لا يملكون أدنى فكرة عن كيفية توزيع الثروة بصورة عادلة على شعوبهم.


إن العالم اليوم يحتاج بشكل لا لبس فيه إلى نظام حكم جديد يعالج بطريقة فعالة وعادلة القضايا الاقتصادية للدولة بشكل يضمن فيه إشباع جميع احتياجات الناس ومعالجتها معالجة إنسانية وصادقة.


إن النظام الاقتصادي في الإسلام والذي تطبقه دولة الخلافة يوفر هذا النموذج البديل. فهذا النظام يشتمل على السياسات والقوانين الاقتصادية السليمة والتي لا تضمن فقط التوزيع العادل للثروة لمنع وحل مشكلة الفقر التي تنتشر على نطاق واسع، وإنما يملك أيضًا في الوقت نفسه القدرة على تحقيق النهضة والازدهار لمن يحكمهم ويُمَكِّنهم من إشباع الحاجات الكمالية. إن تحريمه للربا والاحتكار، واكتناز الثروات، وخصخصة الموارد الطبيعية، فضلًا عن تطبيقه للزكاة وتحريمه للضرائب والمكوس، كل ذلك ليس سوى بعض المبادئ الاقتصادية الإسلامية المطبقة في ظل دولة الخلافة التي تملك نظامًا فعالًا وضع موضع التطبيق لفترة طويلة أثبت فيها قدرته على تحقيق كل ذلك.


ففي عصر خلافة عمر بن عبد العزيز على سبيل المثال، يروى أن الخليفة كتب إلى عامله على العراق، عبد الحميد بن عبد الرحمن، يقول له أن يدفع للناس مستحقاتهم. فرد عليه عبد الحميد قائلًا: "لقد دفعت للناس مستحقاتهم ولا يزال هناك مال في بيت المال". فكتب إليه عمر يخبره بأن يبحث عن كل مدين ليقضي عنه دينه. فرد عليه عبد الحميد قائلًا: "لقد قضيت عنهم ديونهم ولا يزال هناك مال في بيت المال". فكتب له عمر أن يبحث عن كل رجل أعزب يريد الزواج ولا يملك المال، فيزوجه ويدفع عنه المهر. فرد عليه عبد الحميد قائلًا: "لقد زوجت كل رجل استطعت إيجاده ولا يزال هناك مال في بيت مال المسلمين". فكتب إليه عمر أن يبحث عن كل من عليه خراجٌ عن أرضه ويحتاج للمساعدة في زراعة أرضه، فليساعده في كل ذلك، فلما أجابه عبد الحميد بأنه قد فعل ولا يزال هناك مال في بيت المال، كتب له "انثروا القمح على رؤوس الجبال؛ لكي لا يقال جاع طير في بلاد المسلمين".


إن تطبيق النظام الاقتصادي في الإسلام في ظل دولة الخلافة أثمر ببشرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: «يَأْتي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ».


وعلاوة على ذلك، فإن الإسلام يبني عقلية كل من يتولى أمر المسلمين بأنهم حراس ورعاة، وخدم للأمة، ويحملون مسؤولية عظيمة تجاه الأمة، وخاصة الفقراء والمضطهدين والمستضعفين. وبدلًا من إلقاء اللوم على الفقراء لمصاعبهم المالية، فإن الإسلام يلزم الدولة بتوفير ما يكفيهم ويمكنهم من حيازة الوسائل لتحسين أوضاعهم المالية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ، وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ»، وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: «أَيُّمَا أَهْلِ عِرْصَةٍ بَاتَ فِيهُمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ»، وقال أيضًا: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل الجنة معهم».


إن هذا المفهوم للمسؤولية الهائلة الذي شرعته العقيدة الإسلامية هو الذي شكل السلوك الفاضل الذي يثير فعلًا الإعجاب لحكام المسلمين العظماء كعمر بن الخطاب رضي الله عنه. فيروى أن عامل الكوفة قد زار مرة الخليفة عمر رضي الله عنه بينما كان يأكل طعامه المكون من الخبز وزيت الزيتون. فقال العامل: "يا أمير المؤمنين إن ما يكفي من الطحين يُصنع فيما ملكك العظيم، فلماذا لا تأكل خبز القمح؟" فرد عليه الخليفة بلهجة حزينة: "هل تعتقد أن القمح متوفر لكل شخص يسكن ملكي العظيم؟" فأجاب العامل: "لا". فقال عمر: "إذن كيف يمكنني أن أحصل على خبز القمح ما لم يكن متوفرًا لكل أمتي؟".


لقد اتخذت الدول القائمة في العالم الإسلامي والتي تتبنى الرأسمالية نفس الطريق المظلم الذي تسير فيه الدول الغربية، فتُغرق بذلك شعوب المنطقة بفقر مدقع وصعوبات اقتصادية لا حصر لها. ولكن على الرغم من كل هذا، فلا يزال حكام المسلمين يتطلعون بكل سذاجة لنصيحة وسياسات ونماذج المؤسسات الاقتصادية الرأسمالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في حل مشاكلهم الاقتصادية. وبكل تأكيد لا بد أن يكون المستنقع الاقتصادي وارتفاع مستويات الفقر أكثر من أي وقت مضى والتي تعاني منها الدول الغربية، لا بد أن يكون ذلك دليلًا كافيًا على أن هذا النظام الوضعي لا يقدم أية حلول للمشاكل التي تعصف بالعالم الإسلامي؛ سواء أكانت اقتصادية أم غيرها.


وبدلًا من ذلك لا بد من تبني نظام الإسلام الذي شرعه الله سبحانه وتعالى، وهذا النظام هو وحده القادر على معالجة مشكلة الفقر وكل المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها كل شعوب المنطقة. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّـهِ فَأَذَاقَهَا اللَّـهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: آية 112]


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. نسرين نواز
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عد إلى الأعلى