Menu

النظام الإقتصادي

 

 

النظام الإقتصادي في الإسلام

الاقتصـاد

كلمة الاقتصاد مشتقة من لفظ إغريقي قديم معناه (تدبير أمور البيت) بحيث يشترك أفراده القادرون في إنتاج الطيبات، والقيام بالخدمات، ويشترك جميع أفراده في التمتع بما يحوزون. ثمّ توسع النّاس في مدلول البيت، فصار يقصد به الجماعة التي تحكمها دولة واحدة.

وعليه فليس المقصود هنا من كلمة اقتصاد المعنى اللغوي وهو التوفير، ولا معنى المال، وإنما المقصود هو المعنى الاصطلاحي لمسمى معين، وهو تدبير شؤون المال، إما بتكثيره وتأمين إيجاده، ويبحث فيه علم الاقتصاد، وإما بكيفية توزيعه، ويبحث فيه النظام الاقتصادي.

وإنه وإن كان علم الاقتصاد، والنظام الاقتصادي، كل منهما يبحث في الاقتصاد ولكنهما شيئان مختلفان متغايران، ومفهوم أحدهما غير مفهوم الآخر. فالنظام الاقتصادي لا يختلف بكثرة الثروة ولا بقلتها، ولا يتأثر بها مطلقاً. وكثرة الثروة وقلتها لا يؤثر فيها شكل النظام الاقتصادي، ولا بوجهٍ من الوجوه. وعليه، كان من الخطأ الفادح جعل الاقتصاد موضوعاً واحداً يبحث على اعتباره شيئاً واحداً. لأنّه يؤدي إما إلى الخطأ في إدراك المشاكل الاقتصادية المراد معالجتها، وإما إلى سوء فهم العوامل التي توفر الثروة، أي توجدها في البلاد. ولأنّ تدبير أمور الجماعة من حيث توفير المال، أي إيجاده، شيء، وتدبير أمور الجماعة من حيث توزيع المال المدبَّر شيء آخر. فيجب أن يُـفصـل بحـث تدبير مادة المال عن بحث تدبير توزيـعـه، إذ الأول يتـعـلـق بالوسـائل، والثاني يتعلق بالفكر. ولهذا يجب بحث النظام الاقتصادي باعتـباره فكراً يؤثـر في وجهة النظر في الحياة، ويتأثر بها. وبحث علم الاقتصاد باعتباره علماً، ولا علاقة له بوجهة النظر في الحياة. والبحث المهم منهما هو النظام الاقتصادي. لأنّ المشكلة الاقتصادية تدور حول حاجات الإنسان، ووسائل إشباعها، والانتفاع بهذه الوسائل. وبما أن الوسائل موجودة في الكون، فإن إنتاجها لا يسبب مشكلة أساسية في إشباع الحاجات، بل إن إشباع الحاجات يدفع الإنسان لإنتاج هذه الوسائل، أو إيجادها. وإنما المشكلة الموجودة في علاقات النّاس، أي في المجتمع ناجمة عن تمكين النّاس من الانتفاع بهذه الوسائل، أو عدم تمكينهم. أي ناجمة عن موضوع حيازة النّاس لهذه الوسائل. فيكون هو أساس المشكلة الاقتصادية، وهو الذي يحتاج إلى علاج. وعلى ذلك فالمشكلة الاقتصادية آتية من موضوع حيازة المنفعة، لا من إنتاج الوسائل التي تعطي هذه المنفعة.

 

أساس النظام الاقتصادي

المنفعة هي صلاحية الشيء لإشباع حاجة الإنسان. فهي تتكون من أمرين: أحدهما مبلغ ما يشعر به الإنسان من الرغبة في الحصول على شيء مُعين. والثاني المزايا الكامنة في نفس الشيء، وصلاحيتها لإشباع حاجة الإنسان، وليس حاجة فرد معين. وهذه المنفعة إما ناتجة عن جهد الإنسان، أو عن المال، أو عنهما معاً. وتشمل كلمة جهد الإنسان: الجهد الفكري، والجهد الجسمي الذي يبذله لإيجاد مال، أو منفعة مال. وتشمل كلمة المال كل ما يُـتَمَـوَّل للانتفاع به، بالشراء أو الإجارة أو الإعارة، إما باستهلاك عينه إفناءً كالتفاحة، أو بعدم استهلاكها كالسيارة، وإما بالانتفاع به مع بقاء عينه كالمنخل إعارة، وكسكنى الدار التي في حيازة غيره إجارة. ويشمل المال النقد كالذهب والفضة، والسلع كالثياب والأغذية، والعقارات كالدور والمصانع، وغير ذلك مما يتمول. وبما أن المال هو الذي يشبع حاجات الإنسان، وما جهد الإنسان إلاّ أداة للحصول على المال عيناً ومنفعة، لذلك كان المال هو أساس المنفعة. وأما جهد الإنسان فهو من الوسائل، التي تمكن من الحصول على المال. ومن هنا كان الإنسان بفطرته يسعى للحصول على هذا المال ليحوزه. وعليه يكون جهد الإنسان والمالُ هما الأداة التي تستخدم لإشباع حاجات الإنسان، وهما الثروة التي يسعى الإنسان للحصول عليها ليحوزها. فالثروة هي مجموع المال والجهد. 

وحيازة الأفراد للثروة تكون إما من أفراد آخرين كحيازة المال بالهبة، وإما من غير الأفراد كحيازة المال الخام مباشرة، وتكون إما حيازة للعين استهلاكاً وانتفاعاً، كحيازة التفاحة وحيازة الدار ملكاً، وإما حيازة لمنفعة العين كاستئجار الدار، وإما حيازة للمنفعة الناتجة عن جهد الإنسان، كخريطة دار من مهندس. 

وهذه الحيازة بجميع ما تصدق عليه إما أن تكون بعوض كالبيع وإجارة المال وإجارة الأجير، وإما بغير عوض كالهبة والإرث والعارية. وعلى ذلك فالمشكلة الاقتصادية إنما هي في حيازة الثروة، وليست في إيجاد الثروة. وهي تأتي من النظرة إلى الحيازة أي الملكية، ومن سوء التصرف في هذه الملكية، ومن سوء توزيع الثروة بين النّاس، ولا تأتي من غير ذلك مطلقاً. ولهذا كانت معالجة هذه الناحية هي أساس النظام الاقتصادي. 

وعلى ذلك فالأساس الذي يبنى عليه النظام الاقتصادي قائم على ثلاث قواعد هي: الملكية، والتصرف في الملكية، وتوزيع الثروة بين النّاس. 

 

نظرة الإسلام إلى الاقتصاد

تختلف نظرة الإسلام إلى مادة الثروة عن نظرته إلى الانتفاع بها، وعنده أن الوسائل التي تعطي المنفعة شيء، وحيازة المنفعة شيء آخر. فالمال وجهد الإنسان هما مادة الثروة، وهما الوسائل التي تعطي المنفعة، ووضعهما في نظر الإسلام من حيث وجودهما في الحياة الدنيا، ومن حيث إنتاجهما يختلف عن وضع الانتفاع بهما، وعن كيفية حيازة هذه المنفعة. فهو قد تدخّل في الانتفاع بالثروة تدخلاً واضحاً، فحرَّم الانتفاع من بعض الأموال، كالخمر والميتة، كما حرَّم الانتفاع من بعض جهود الإنسان، كالرقص والبغاء، فحرَّم بيع ما حَرُم أكله من الأموال، وحرَّم إجارة ما حَرُم القيام به من الأعمال. هذا من حيث الانتفاع بالمال، وجهد الإنسان. أما من حيث كيفية حيازتهما فقد شرع أحكاماً متعددة لحيازة الثروة، كأحكام الصيد، وإحياء الموات، وكأحكام الإجارة والاستصناع، وكأحكام الإرث والهبة والوصية.

هذا بالنسبة للانتفاع بالثروة وكيفية حيازتها، أما بالنسبة لمادة الثروة من حيث إنتاجها، فإن الإسلام قد حث على إنتاجها، ورغّب فيه حين رغّب بالكسب بشكل عام، ولم يتدخل ببيان كيفية زيادة الإنتاج، ومقدار ما ينتج، بل ترك ذلك للناس يحققونه كما يريدون. وأما من حيث وجودها فالمال موجود في الحياة الدنيا وجوداً طبيعياً، وخلقه الله سبحانه وتعالى مسخراً للإنسان، قال تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً}[029:002] وقال: {اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ}[012:045] وقال: { وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ}[013:045] وقال: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ . أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا . ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا. فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا . وَعِنَبًا وَقَضْبًا . وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا. وَحَدَائِقَ غُلْبًا. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا. مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}[032-024:080] وقـال:  {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ}[080:021] وقـال: { وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}[025:057]. فبـيّن في هذه الآيات وما شابهها أنه خلق المال، وخلق جهد الإنسان، ولم يتعرض لشيء آخر يتعلق به، مما يدل على أنَّه لم يتدخل في مادة المال، ولا في جهد الإنسان، سوى أنه بيَّن أنه خلقها لينتفع بها النّاس. وكذلك لم يتدخل في إنتاج الثروة، ولا يوجد نص شرعي يدل على أن الإسلام تدخل في إنتاج الثروة، بل على العكس من ذلك نجد النصوص الشرعية تدل على أن الشرع ترك الأمر للناس في استخراج المال، وفي تحسين جهد الإنسان، فقد أخرج مسلم من طريق عائشة رضي الله عنها ومن طريق أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال في موضوع تأبير النخل: «أنتم أعلم بأمر دنياكم» ورُوي أنه صلى الله عليه وسلم  أرسل اثنين من المسلمين إلى جُرَش اليَمَنِ، يتعلمان صناعة الأسلحة. وهذا يدل على أن الشرع ترك أَمْـرَ إنتاج المال إلى النّاس، ينتجونه بحسب خبرتهم ومعرفتهم. 

وعلى هذا فإنّه تبين من ذلك أن الإسلام ينظر في النظام الاقتصادي، لا في علم الاقتصاد، ويجعل الانتفاع بالثروة، وكيفية حيازة هذه المنفعة موضوع بحثه، ولم يتعرض لإنتاج الثروة، ولا إلى وسائل المنفعة مطلقاً.

 

سياسة الاقتصاد في الإسلام

سياسة الاقتصاد هي الهدف الذي ترمى إليه الأحكام التي تعالج تدبير أمور الإنسان. وسياسة الاقتصاد في الإسلام هي ضمان تحقيق الإشباع لجميع الحاجات الأساسية لكل فرد إشباعاً كلياً، وتمكينه من إشباع الحاجات الكمالية بقدر ما يستطيع، باعتباره يعيش في مجتمع معين، له طراز خاص من العيش، فهو ينظر إلى كل فرد بعينه، لا إلى مجموع الأفراد الذين يعيشون في البلاد. وينظر إليه باعتباره إنساناً أولاً لا بد من إشباع جميع حاجاته الأساسية إشباعاً كلياً، ثمّ باعتبار فرديته المشخصة ثانياً بتمكينه من إشباع حاجاته الكمالية بقدر ما يستطيع. وينظر إليه في نفس الوقت باعتباره مرتبطاً مع غيره بعلاقات معينة، تُسَيَّر تَسييراً معيناً حسب طراز خاص. وعلى هذا فإن سياسة الاقتصاد في الإسلام ليست لرفع مستوى المعيشة في البلاد فحسب، دون النظر إلى ضمان انتفاع كل فرد من هذا العيش، ولا هي لجلب الرفاهية للناس وتركهم أحراراً في الأخذ منها بقدر ما يتمكنون، دون النظر إلى ضمان حق العيش لكل فرد منهم أياً كان، وإنما هي معالجة المشاكل الأساسية لكل فرد باعتباره إنساناً يعيش طبق علاقات معينة، وتمكينه من رفع مستوى عيشه، وتحقيق الرفاهية لنفسه في طراز خاص من العيش. وبهذا تختلف عن غيرها من السياسات الاقتصادية.

فالإسلام في الوقت الذي يُشرِّع أحكام الاقتصاد للإنسان يجعل التشريع موجهاً للفرد. وفي الوقت الذي يعمل لضمان حق العيش، والتمكين من الرفاهية، يجعل ذلك يتحقق في مجتمع معين، له طراز خاص من العيش. فهو ينظر إلى ما يجب أن يكون عليه المجتمع، في الوقت الذي ينظر فيه إلى ضمان العيش والتمكين من الرفاهية، ويجعل نظرته إلى ما يجب أن يكون عليه المجتمع أساساً في نظرته إلى العيش والرفاهية. ولذلك تجد الأحكام الشرعية قد ضمنت توفير إشباع جميع الحاجات الأساسية إشباعاً كلياً لكل فرد من أفراد رعية الدولة الإسلامية، من مأكل وملبس ومسكن، وذلك بفرض العمل على الرجل القادر، حتى يوفر لنفسه الحاجات الأساسية له ولمن تجب عليه نفقتهم. وفرضها على المولود له، وعلى الوارث إن لم يكن قادراً على العمل. أو على بيت المال إن لم يوجد من تجب عليهم نفقته. وبهذا ضمن الإسلام لكل فرد بعينه أن يشبع الحاجات التي لا بد للإنسان من حيث هو إنسان من أن يشبعها، وهي المأكل والملبس والمسكن. ثمّ حثّ هذا الفرد على التمتع بالطيبات، والأخذ من زينة الحياة الدنيا ما يستطيع. ومنع الدولة أن تأخذ من ماله ضرائب، مما هو فرض على جميع المسلمين، إلاّ مما يزيد على كفاية حاجاته، التي يشبعها فعلاً في حياته العادية، ولو كانت حاجات كمالية. وبذلك ضمن توفير حق العيش لكل فرد بعينه، وأتاح له الرفاهية في الحياة. وهو في نفس الوقت حدد كسب المال لهذا الفرد في إشباع حاجاته الأساسية والكمالية في حدود معينة. وجعل علاقاته على طراز خاص. فحرّم إنتاج الخمر واستهلاكها عل كل مسلم، ولم يعتبرها بالنسبة له مادة اقتصادية. وحرّم أكل الربا والتعامل به على كل من يحملون التابعية الإسلامية، ولم يعتبرها بالنسبة لهم مادة اقتصادية، سواء أكانوا مسلمين أم غير مسلمين، فجعل الوضع الذي يجب أن يكون عليه المجتمع حين الانتفاع بالمال أمراً أساسياً عند الانتفاع بالمادة الاقتصادية. 

ومن ذلك يتبين أن الإسلام لم يفصل الفرد عن كونه إنساناً، ولم يفصله كإنسان عن فرديَّته. ولم يفصل اعتبار ما يجب أن يكون عليه المجتمع عن ضمان إشباع الحاجات الأساسية لكل فرد، وتمكينه من إشباع حاجاته الكمالية، بل جعل إشباع الحاجات وما يجب أن يكون عليه المجتمع أمرين متلازمين، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، ولكن بحيث يجعل ما يجب أن يكون عليه المجتمع أساساً لإشباع الحاجات. ومن أجل إشباع جميع الحاجات الأساسية إشباعاً كلياً والتمكين من إشباع الحاجات الكمالية، لا بد من أن تتوفر المادة الاقتصادية لدى النّاس، حتى يتمكنوا من إشباع الحاجات، ولا يتأتى أن تتوفر لديهم إلاّ إذا سعوا لكسبها، ولهذا حث الإسلام على الكسب، وعلى طلب الرزق، وعلى السعي، وجعل السعي لكسب الرزق فرضاً على الرجل، القادر على العمل، المحتاج للنفقة على نفسه، وعلى من تجب عليه إعالته. قال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[15:67]. إلاّ أنه ليس معنى ذلك أنه تدخَّل في إنتاج الثروة أو بيّن كيفية زيادة إنتاجها، أو مقدار ما ينتج، لأنّه لا علاقة له بذلك. بل هو حث على العمل، وعلى كسب المال فحسب. وقد وردت أحاديث كثيرة تحث على كسب المال، وفي الحديث: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صافح سعد بن معاذ (رضي الله عنه) فإذا يداه قد اكتبتا، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: أضرب بالمرّ والمسحاة لأنفق على عيالي. فقبّل صلى الله عليه وسلم يده وقال: كفان يحبهما الله تعالى» ذكره السرخسي في المبسوط. وروى البخاري من طريق المقدام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما أكل أحدٌ طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده»، وروي أن عمر مرَّ بقوم من القراء فرآهم جلوساً قد نكسوا رؤوسهم، فقال: من هؤلاء؟ فقيل: هم المتوكلون، فقال: كلاّ، ولكنهم المتأكلون، يأكلون أموال النّاس. ألا أنبئكم من المتوكلون؟ فقيل نعم. فقال: هو الذي يُلقي الحَبَّ في الأرض، ثمّ يتوكل على ربه عز وجل. ذكره السرخسي في المبسوط. وهكذا نجد الآيات والأحاديث تحث على السعي لطلب الرزق، وعلى العمل لكسب المال، كما تحث على التمتع بهذا المال، وأكل الطيبات. قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}[32:07] وقال تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}[180:03] وقال تعالى: { كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}[172:01] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ}[267:01] وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ}[87:05]. فهذه الآيات وما شابهها تدل دلالة واضحة على أن الأحكام الشرعية المتعلقة بالاقتصاد تهدف إلى كسب المال، والتمتع بالطيبات. فالإسلام حث الأفراد على الكسب، وأمرهم بالانتفاع بالثروة التي يكسبونها، وذلك لتحقيق التقدم الاقتصادي في البلاد، ولإشباع الحاجات الأساسية لكل فرد، وتمكينه من إشباع حاجاته الكمالية. ومن أجل مراعاة حصول المسلم على المال نجد الإسلام حين شرع الأحكام المتعلقة بكيفية حيازة الثروة، راعى عدم تعقيد هذه الكيفية التي يحوز بها الإنسان المال، فجعلها بسيطة كل البساطة. إذ قد حدد أسباب التملك، وحدد العقود التي يجري بها تبادل الملكية، وأطلق للإنسان أن يبدع في الأساليب والوسائل، التي يكسب بها حين لم يتدخل في إنتاج الثروة. وقد جعل الأسباب والعقود خطوطاً عريضة، تحوي قواعد شرعية، وأحكاماً شرعية، تدخل تحتها مسائل متعددة، وتقاس عليها أحكام متعددة. فشرع العمل وبيّن أحكامه، وترك للإنسان أن يعمل نجاراً وحذّاء وصانعاً وزارعاً وغير ذلك، وجعل الهدية على وجه بحيث تقاس عليها العطية مثلاً في جعلها سبباً للملك، وجعل الإجارة على حال بحيث تقاس عليها الوكالة مثلاً في استحقاق أجرة الوكيل. وهكذا نجد أسباب التملك، والعقود قد بيّنها الشارع، وحددها في معانٍ عامة، وهذا يجعلها شاملة كل ما يتجدد من الحوادث، ولكنها لا تتجدد بتجدد المعاملات، لوجوب تقيد النّاس بالمعاملات التي وردت في الشرع، ولكنها تنطبق على كل ما يتجدد من حوادث، مهما بلغت ومهما تعددت. وبهذا يسير المسلم في كسب المال سيراً حثيثاً دون أن تقف في طريقه عقبات تحول بينه وبين الكسب، مع الحرص على أن يجعل كسبه طيباً حلالاً. وبذلك يتوفر لكل فرد ما يشبع له الحاجات التي تتطلب الإشباع. ولم يكتف الإسلام بحثّ الفرد، ولا جعل الإشباع مقصوراً على كسب الأفراد، بل جعل بيت المال لجميع الرعية ينفق عليهم منه، وجعل إعالة العاجز فرضاً على الدولة، وتوفير الحاجات للأمّة واجباً من واجباتها، لأنّ عليها حق الرعاية، روى البخاري عن ابن عمر قال: قال عليه الصلاة والسلام: «الإمام الذي على النّاس راع وهو مسئول عن رعيته» . ومن أجل أن تقوم الدولة بما أوجبه الشرع عليها، جعل لها سلطة جباية أموال معينة جباية دائمية كالجزية والخراج، وجعل أموال الزكاة في بيت المال، وجعل لها حق جباية ما هو فرض على جميع المسلمين كإصلاح الطرق، وبناء المستشفيات، وإطعام الجائعين، وما شاكل ذلك. وجعل الملكية العامة تحت إدارتها تتولاها هي، ومنع الأفراد من أن يتولوها، ومنعها من أن تملكهم إيَّاها أو تعطيهم إدارتها. لأنّ الولاية العامة هي لولي الأمر، ولا يجوز لأحد من الرعية أن يقوم بها إلاّ بتولية من ولي الأمر. وهذه الملكية العامة من بترول وحديد ونحاس وما شاكل ذلك أموال لا بد من استغلالها وتنميتها، لتحقيق التقدم الاقتصادي للأمّة، لأنّ هذه الأموال للأمّة، والدولة تتولاها لتنميتها وإدارتها. فإذا قامت الدولة بتوفير الأموال، ونهضت بأعباء رعاية الشؤون، وقام كل فرد بكسب المال، والسعي إلى الرزق، فقد توفرت الثروة التي تكفي لإشباع جميع الحاجات الأساسية إشباعاً كلياً، وإشباع الحاجات الكمالية. إلاّ أن هذا التقدم الاقتصادي بالحث على كسب المال من كل فرد، وجعل أموال للدولة، وإنماء الملكية العامة، إنما هو من أجل استخدام المال وسيلة لإشباع الحاجات، وليس لذات المال، ولا للتفاخر به، ولا لإنفاقه على المعاصي، أو للبطر والتجبر، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: «من طلب الدنيا حلالاً استعفافاً عن المسألة، وسعياً على أهله، وتعطفاً على جاره، جاء يوم القيامة وجهه كالقمر ليلة البدر، ومن طلب الدنيا حلالاً، مفاخراً، مكاثراً، مرائياً، لقي الله وهو عليه غضبان» ورد في مصنف ابن أبي شيبة من طريق أبي هريرة رضي الله عنه. روى مسلم من طريق مطرِّف عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «..... وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» وقال تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}[141:06]. وليس جعل القصد من كسب المال أن يكون وسيلة لإشباع الحاجات، لا للتفاخر هو الذي طلبه الإسلام فقط، بل جعل الإسلام تسيير الاقتصاد كله بأوامر الله ونواهيه أمراً حتمياً. وأمر المسلم أن يبتغي فيما يكسبه الحياة الأخرى، ولا ينسى نصيبه من الدنيا قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ}[77:21] ولذلك جعل فلسفة الاقتصاد تسيير الأعمال الاقتصادية بأوامر الله ونواهيه بناء على إدراك الصلة بالله. أي جعل الفكرة التي بنى عليها تدبيـر أمور المسـلم في المجتمع في الحيـاة هي جعـل الأعمال الاقتصاديـة حسب ما تتطلبه الأحكام الشرعية باعتبارها ديناً، وجعل تدبير أمور الرعية ممن يحملون التابعية، وأعمالهم الاقتصادية، مقيدة بالأحكام الشرعية. باعتبارها تشريعاً، فيبيح لهم ما أباحه الإسلام ويقيدهم بما قيدهم به. قال تعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}[07:59] وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ}[57:10] وقـال: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[63:24] وقال: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ}49:05]. وقد ضمن تقيد المسلمين والناس بهذه الأحكام بالتوجيـه الذي يجعـل المسـلم يـنـفـذ هذه السياسة بدافع تقوى الله، والتشريع الذي تنـفـذه الدولـة عـلى النـّاس. قـال تعـالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[278:01] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ}[282:01] إلى أن يقول: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا}[282:01]. فهو إذن بيّن الكيفية التي تنفذ بها هذه الأحكام، وبيّن الكيفية التي تضمن تقيدهم بهذه الأحكام. 

وهكذا يشاهد أن سياسة الاقتصاد في الإسلام مبنيّة على أساس إشباع الحاجات لكل فرد، باعتباره إنساناً يعيش في مجتمع معين، وعلى كسب الثروة لتوفير ما يشبع الحاجات. وقائمة على فكرة واحدة هي تسيير الأعمال بالأحكام الشرعية ومنفذة من كل فرد بدافع تقوى الله، وبالتنفيذ من قبل الدولة، بالتوجيه وبالتشريع.

 

القواعد الاقتصادية العامة

يتبين من استقراء الأحكام الشرعية المتعلقة بالاقتصاد أن الإسلام إنما يعالج موضوع تمكين النّاس من الانتفاع بالثروة. وأن هذه هي المشكلة الاقتصادية للمجتمع في نظره. وهو حين يبحث الاقتصاد إنما يبحث في حيازة الثروة، وفي تصرف النّاس بها، وفي توزيعها بينهم. وعلى هذا فإن الأحكام المتعلقة بالاقتصاد مبنيّة على ثلاث قواعد هي: الملكية، والتصرف في الملكية، وتوزيع الثروة بين النّاس.

أما الملكية من حيث هي ملكية فهي لله باعتباره مالك الملك من جهة، وباعتباره قد نص على أن المال له. قال تعالى: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ }[033:024]. فالمال لله وحده، إلا أن الله سبحانه وتعالى استخلف بني الإنسان على المال، وأمدهم به، فجعل لهم حق ملكيته، قال تعالى: {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}[7:57] وقال: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ}[12:71]. ومن هنا نجد أن الله، حين يبيّن أصل ملكية المال، يضيف المال له، فيقول { مَّالِ اللَّهِ}[33:24] وحين يبين انتقال الملكية للناس، يضيف الملكية لهم، فيقول: {فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ}[006:004]، {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ}[15:67]، {فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ}[279:002]، {وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا}[024:009]، {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ}[011:092]. غير أن حق الملكية هذا الذي جاء بالاستخلاف جاء عاماً لبني الإنسان بجميع أفرادهم، فلهم به حق الملكية، لا الملكية الفعلية. فهم مستخلَفون في حق التملك. أما الملكية الفعلية للفرد المعين فقد شرط الإسلام فيها الإذن من الله للفرد بتملكها. ولهذا فإن المال إنما يملكه بالفعل مَن أَذِن له الشارع بتملكه، ويكون هذا الإذن دلالة خاصّة على أن هذا الفرد قد أصبح له الملكية للمال. فاستخلاف النّاس جميعاً في الملكية جاء بالاسـتـخلاف العام، وأفاد وجود حق الملكية، واستخلاف الفرد المعين في الملكية الفعلية جاء بالإذن الخاص، الذي جاء من الشارع للفرد في أن يتملكه. 

وقد بـيّن الشرع أن هناك ملكية فردية، فلكل فرد أن يمتلك المال بسبب من أسباب التملك، روى أبو داود عن سَمُرَة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحاط حائطاً على أرض فهي له» وهناك ملكية عامة للأمة كلها، روى أحمد عن رجل من المهاجرين قال: قال عليه الصلاة والسلام: «المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار». وهناك ملكية للدولة، فإن كل من مات من المسلمين ولا وارث له فماله لبيت المال، وما يجبى من خراج وجزية وغير ذلك إنما هو لبيت المال. وللدولة أن تضع المال الذي هو ملكها حيث تشاء، بحسب الأحكام الشرعية. وقد بيّن الشرع الأسباب التي يملك بها الفرد، والحالات التي تملك بها الأمّة، والأسباب التي تملك بها الدولة، ومنع ما عدا ذلك.  وأما التصرف في الملكية فإنّه بالنسبة للملكية العامة جُعل للدولة، لأنّها نائبة عن الأمّة، ولكن الشارع منعها، أي الدولة، من التصرف بالملكية العامة بالمبادلة أو الصلة. وأجاز لها التصرف بها في غير ذلك بحسب الأحكام، التي بيّنها الشرع. وأما بالنسبة لملكية الدولة، وملكية الفرد فالتصرف واضح في أحكام بيت المال، وأحكام المعاملات من بيع أو رهن أو غير ذلك. وقد أجاز الشارع للدولة وللفرد التصرف بملكيتهما بالمبادلة والصلة، وغير ذلك بحسب الأحكام التي بيّنها الشرع. وأما توزيع الثروة بين النّاس فإنّه يجري في أسباب التملك، وفي العقود طبيعياً. غير أن تفاوت النّاس في القوى، وفي الحاجة إلى الإشباع، يؤدي إلى تفاوت التوزيع للثروة بين النّاس. ويجعل احتمال الإساءة في هذا التوزيع موجوداً، فيترتب على هذه الإساءة في التوزيع تجمع المال بين يدي فئة، وانحساره عن فئة أخرى، كما يترتب عليها كنز أداة التبادل الثابتة، وهي الذهب والفضة. ولذلك جاء الشرع يمنع تداول الثروة بين الأغنياء فقط، ويوجب تداولها بين جميع النّاس، وجاء يمنع كنز الذهب والفضة، ولو أخرجت زكاتهما.

 

اسباب تملك المال

السبب الأول:العمل

يتبين من إمْعَان النظر في أيّة عين من أعيان المال، سواء أكانت قد وجدت طبيعياً كالفُطْر، أم وجدت بفعل إنسان كالرغيف والسيارة، فإن الحصول عليها يحتاج إلى عمل.

ولما كانت كلمة العمل واسعة الدلالة، وكان العمل متعدد الأنواع، ومختلف الأشكال، ومتنوع النتائج، فإن الشارع لم يترك كلمة العمل على إطلاقها، ولم ينص على العمل بشكل عام، وإنما نص على أعمال معينة محددة، فبيَّنَ في نصه هذا على هذه الأعمال، وعلى أنواع العمل التي تصلح لأنّ تكون سبباً من أسباب التملك. ومن استقراء الأحكام الشرعية التي نصت على الأعمال يتبين أن أنواع العمل المشروع الذي يكون سبباً لتملك المال هي الأعمال الآتية:
1 - إحياء الموات.
2 - استخراج ما في باطن الأرض، أو ما في الهواء.
3 - الصيد.
4 - السمسرة والدلالة.
5 - المضاربة.
6 - المساقاة.
7 - العمل للآخرين بأجر.

 

السبب الثاني:الإرث

ومن أسباب التملك للمال الإرث، وهو ثابت بنص القرآن القطعي، وله أحكام معينة توقيفية ولم تعلل، وهو وإن كان قد نص على الجزئيات ولكن هذه الجزئيات خطوط عريضة. فالله تعالى حين يقول: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا}[011:004] نفهم من قوله هذا عدَّة أحكام. نفهم منها أن الذكر من الأولاد يأخذ ضعف ما للأنثى، ونفهم منها أن ابن الابن يعامل معاملة الابن في حالة عدم وجود الأبناء، لأنّ أولاد الابن الذكر يندرجون تحت كلمة الأولاد، بخلاف ابن البنت فلا يعامل معاملة ابن الابن في حالة عدم وجود الأبناء، لأنّ أولاد البنت لا يندرجون تحت كلمة أولاد في اللغة. ونفهم أيضاً أن الأولاد إن كانوا نساء فوق اثنتين فإنهن يشتركن في ثلثي التركة. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم للاثنتين حكم ما فوقهما، وأجمع الصحابة على ذلك فيكون للاثنتين حكم ما فوقهما. فهذه أحكام فهمت من المعنى العام الذي ذكرته الآية. وبهذه الأحكام يستحق الوارث نصيبه من التركة. وعلى ذلك كان من أسـباب التملك الإرث، بحسـب أحكامه المفصـلة في الكتاب والسنة وإجماع الصحابة.

والإرث وسيلة من وسائل تفتيت الثروة، وليس تفتيت الثروة عِلّة له، بل هي بيان لواقعه. وذلك أن الثروة، وقد أبيحت ملكيتها، قد تتجمع في يد أفراد حال حياتهم، فإذا مات هؤلاء فإن الإرث يفتت ثرواتهم بتوزيعها بين الورثة. وقد شوهد في الواقع، أن وسيلة تفتيت الثروة هذه طبيعياً هي الميراث. ومن الاستقراء، تبين أن الأحوال التي تعتري تفتيت الثروة في الإرث ثلاث أحوال هي:

أ - الحالة الأولى أن يكون الورثة يستغرقون جميع المال، حسب أحكام الإرث، وحينئذ يوزع عليهم المال كله.

ب - الحالة الثانية أن لا يكون هنالك ورثة يستغرقون جميع المال، حسب أحكام الإرث. كما إذا توفي الميت عن زوجة فقط، أو الميتة عن زوج فقط، فإن الزوجة تأخذ الربع فقط، ويكون باقي الميراث لبيت المال، وإن كان الزوج فإنّه يأخذ النصف فقط، ويكون باقي الميراث لبيت المال.

جـ - أن لا يكون هنالك وارث مطلقاً، وفي هذه الحال يكون المال كله لبيت المال، أي للدولة.

وبذلك تتفتت الثروة وينتقل المال إلى الورثة، ويستأنف تبادل المال في دورة اقتصادية بين النّاس، ولا يحفظ في شخص معين تتجمع لديه الثروات.

والإرث سبب مشروع للملكية، فمن ورث شيئاً ملكه ملكاً مشروعاً. فيكون الإرث سبباً من أسباب التملك التي أذِن الشرع الإسلامي بها.

 

السبب الثالث:الحاجة للمال لأجل الحياة

من أسباب التملك الحاجة للمال لأجل الحياة. وذلك أن العيش حق لكل إنسان، فيجب أن ينال هذا العيش حقاً، لا منحة ولا عطفاً. والسبب الذي يضمن للفرد من رعايا الدولة الإسلامية الحصول على قُوتِه هو العمل. فإذا تعذر عليه العمل كان على الدولة أن تهيئه له؛ لأنّها الراعي لهذه الرعية، والمسؤولة عن توفير حاجاتها، قال عليه الصلاة والسلام: «الإمام الذي على النّاس راع وهو مسؤول عن رعيته» رواه البخاري عن ابن عمر. فإذا تعذر إيجاد عمل له، أو عجز عن القيام بالعمل، لمرض، أو كبر سن، أو لأي سبب من أسباب العجز، كان عيشه واجباً على من أوجب عليه الشرع الإنفاق عليه، فإن لم يوجد من تجب عليه نفقته، أو وجد وكان غير قادر على الإنفاق، كانت نفقته على بيت المال، أي على الدولة. وفوق ذلك، كان له في بيت المال حق آخر، وهو الزكاة. قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ{24}لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}[024:070-025] وهذا الحق فرض على الأغنياء أن يدفعـوه. قـال تعالى في آية: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ }[060:009] من سورة التوبة {فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ}[060:009] أي حقاً مفروضاً. وإن قصّرت الدولة في ذلك، وقصّرت جماعة المسلمين في محاسبتها، وفي كفالة المحتاجين، وليس متوقعاً في جماعة المسلمين أن تقصّر، كان لهذا الفرد أن يأخذ ما يقيم به أَوَدَه من أي مكان يجده، سواء أكان ملك الأفراد، أم ملك الدولة. وفي هذه الحال لا يباح للجائع أن يأكل لحم الميتة، ما دام هناك أكل عند أحد من النّاس. لأنّه لا يُعَدُّ مضطراً لأكل الميتة، مع وجود ما يأكله في يد أي إنسان. أما إذا لم يستطع الحصول على الأكل، فإن له أن يأكل لحم الميتة لإنقاذ حياته. ولما كان العيش سبباً من أسباب الحصول على المال، لم يعتبر الشارع أخذ الطعام، في عام المجاعة، سرقة تقطع اليد عليها. عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا قطع في زمن المجاع» وكما ضمن الشرع حق الفرد في ملكية المال لأجل الحياة بالتشريع، ضَمِنَ إعطاؤه هذا الحق بالتوجيه، روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما أهل عَرْصَة أصبح فيهم أمرؤ جائعاً فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى». وروى البزار عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به»

 

 

السبب الرابع:إعطاء الدولة من أموالها للرعية

ومن أسباب التملك إعطاء الدولة من أموال بيت المال للرعية، لسد حاجتهم، أو للانتفاع بملكيتهم. أما سد حاجتهم فكإعطائهم أموالاً لزراعة أراضيهم، أو لسد ديونهم، فقد أعطى عمر بن الخطاب، من بيت المال، للفلاحين في العراق، أموالاً أعانهم بها على زراعة أرضهم، وسد بها حاجتهم، دون أن يستردها منهم.

وأما حاجة الجماعة للانتفاع بملكية الفرد، فتكون في تمليك الدولة لأفراد الأمّة مِن أملاكها، وأموالها المعطلة المنفعة، بأن تقطع الدولة بعض الأرض، التي لا مالك لها، كما فعل رسول الله حين قدم المدينة فقد أقطع أبا بكر وعمر، كما أقطع الزبير أرضاً واسعة، فقد أقطعه ركْض فرسه في موات النقيع، وأقطعه أرضاً فيها شجر ونخل، وكما أقطع الخلفاء الراشدون من بعده أرضاً للمسلمين. فهذا الذي تقطعه الدولة للفرد يصبح ملكاً له بهذا الإقطاع، لأنّ الجماعة في حاجة إلى هذه الملكية للانتفاع بها، ولتسخير الفرد لهذا الانتفاع، واستخدام نشاطه الذهني، أو الجسمي للجماعة، بسبب هذه الملكية. واستعمال لفظ الإقطاع هنا استعمال لغوي وفقهي، ولا علاقة له بالنظام الإقطاعي الخاص الذي لم يعرفه الإسلام.

ويلحق بما تعطيه الدولة للأفراد، ما توزعه على المحاربين من الغنائم. وما يأذن به الإمام بالاستيلاء عليه من الأسلاب.

 

السبب الخامس:الأموال التي يأخذها الأفراد دون مقابل مال أو جهد

ومن أسباب التملك أخذ الأفراد مالاً دون مقابل مال أو جهد. وهذا يشمل خمسة أشياء.  1 - صلة الأفراد بعضهم بعضاً، سواء أكانت الصلة في حياتهم، كالهبة والهدية، أم بعد وفاتهم، كالوصية، فقد روى النَسائي وابن اسحق في السيرة النبوية عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن وفد هوازن لما جاؤوا يطلبون من رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) أن يرد عليهم ما غنمه منهم، روى مالك عن عطاء بن مسلم عبد الله الخراساني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم» أي فهو هبة مني إليكم. وروى ابن عساكر عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «تَهادُوا تحَابّوا» وقال صلى الله عليه وسلم : «ليس لنا مَثَلُ السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه» رواه البخاري عن ابن عباس. ولا فرق في الهبة والهدية بين الكافر والمسلم، فإعطاء الكافر مباح، وقبول ما أعطى هو كقبول ما أعطى المسلم. روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت عليّ أمي، وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدهم، فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، قَدِمَتْ عليّ أمي وهي راغبة، أفأصِلُ أمي؟ قال: «نعم» . وروى البخاري عن أبي حميد الساعدي قال: «أهدى ملك أَيْلَةَ للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه برداً» . وكما أن الهبة والهدية هي التبرع بالمال حال الحياة، فكذلك الوصية هي التبرع بالمال بعد الموت، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ}[180:009]. وروى البخاري عن سعد بن أبي وقاص قال: «مرضت بمكة مرضاً، فأشفيت منه على الموت، فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم يعودني، فقلت: يا رسول الله، إن لي مالاً كثيراً، وليس يرثني إلاّ ابنتي أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت: الثلث؟ قال: الثلث كبير، إنك إن تركت ولدك أغنياء، خير من أن تتركهم عالة يتكففون النّاس» . ويملك الفرد بسبب الهدية، أو الهبة، أو الوصية، العين الموهوبة، أو المهداة، أو الموصى بها. 

2 - استحقاق المال عوضاً عن ضرر من الأضرار التي لحقته، وذلك كدية القتيل، وديات الجراح. قال تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ}[092:004]. وروى النَسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن كتاباً، وبعث به مع عمرو بن حزم وجاء فيه: «وإن في النفس الدّية مائة من الإبل» . وأما ديات الجراح فقد روى النَسائي عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب له في كتاب: «وفي الأنف إذا أوعب جَدْعُه الدّية، وفي اللسان الدّية، وفي الشفتين الدّية، وفي البيضتين الدّية، وفي الذكر الدّية، وفي الصُلْب الدّية، وفي العينين الدّية، وفي الرجْل الواحدة نصف الدّية، وفي المأمومة ثلث الدّية، وفي الجائفة ثلث الدّية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل».

وفي دية المقتول يستحق ورثته ديته على القاتل في القتل العمد، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يجني جانٍ إلاّ على نفسه» . رواه ابن ماجه من طريق عمرو بن الأحوص. وأما في غير العمد، كشبه العمد، والخطأ، فيستحق ورثة المقتول الدّية على عاقلة القاتل. فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غُرَّةٌ عبدٌ أو وليدة، وقضى أن دية المرأة على عاقلتها» . والعاقلة من يحمل العقل، والعقل هنا هو الدّية. والعاقلة هي كل العصبة، ويدخل فيها إخوته، وعمومته، وأبناؤهم، وإن سفلوا. وإذا لم تكن للقاتل عاقلة أُخذت الدّية من بيت المال، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم ودى الأنصاري، الذي قتل بخيبر، من بيت المال. ورُوِيَ أن رجلاً قُتِل في زحام في زمان عمر فلم يعرف قاتله فقال عليٌّ لعمر: يا أمير المؤمنين لا يُطَلُّ دم أمرئ مسلم فأدِّ ديته من بيت المال.

وأما ديات الجراح، وهي الشجاج في رأس، أو وجه، أو قطع عضو، أو قطع لحم، أو تفويت منفعة، كتفويت السمع والبصر، والعقل. فإذا حصل لإنسان جرح من هذه الجراح، استحق الدّية على هذا الجرح، بحسب الأحكام المفصلة لكل عضو من الأعضاء، ولكل حالة من الحالات. ويملك الفرد بسبب الدّية المال الذي يخصه من دية المقتول، أو دية العضو الذي تلف، أو المنفعة التي فوتت.

3 - استحقاق المهر وتوابعه بعقد النكاح، فإن المرأة تملك هذا المال، على الوجه المفصل في أحكام الزواج. وليس هذا المال بدل منفعة، فإن المنفعة متبادلة بين الزوجين، وإنما هو مستحق بنص الشرع. قال تعالى: {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}[004:004] أي عن طيب نفس، بالفريضة التي فرض الله تعالى، والنحلة العطية، أي عطية؛ لأنّ كل واحد من الزوجين يستمتع بصاحبه. وروى أحمد عن أنس قال: «جاء عبد الرحمن بن عوف وعليه رَدْعُ زعفران، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَهْيمَ؟ فقال: يا رسول الله، تزوجت امرأة، فقال: ما أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب. قال: أَوْلِمْ ولو بشاة» . 

4 - اللُّقَطَة: إذا وجد شخص لقطة، يُنظر، فإن كان يمكن حفظها، وتعريفها، كالذهب، والفضة، والجواهر، والثياب، وكان ذلك في غير الحرم، جاز التقاطه للتملك، لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة فقال: «ما كان منها في طريق المِيتاء (أي المسلوكة) أو القرية الجامعة، فعرّفها سنة، فإن جاء طالبها فادفعها إليه، وإن لم يأت فهي لك، وما كان في الخراب، يعني ففيها وفي الركاز الخمس» . أما إن كانت اللقطة في الحرم فلا تعتبر لقطة، لأنّ لقطة الحرم حرام. كما جاء في الحديث المروي من طريق عبد الرحمن بن عثمان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  نهى عن لقطة الحاج، ولا يجوز أن يأخذها إلاّ للحفظ على صاحبها، لقوله صلى الله عليه وسلم : «ولا يلتقط ساقطتها إلاّ منشد» رواه البخاري. 

أما إن كانت مما لا يمكن حفظها، بأن كانت مما لا يبقى، كالأكل، والبطيخ، وما شاكله فهو مخير بين أن يأكله ويغرم ثمنه لصاحبه إن وجد، وبين أن يبيعه ويحفظ ثمنه مدة الحول. وهذا كله إذا كانت اللقطة مما يطلب عادة، بأن كان لها ثمن لا يتركه صاحبه إن ضاع. أما إن كانت من التوافه، كالتمرة، واللقمة، وما شاكل ذلك، فإنّه لا يعرّف عليه، وإنما يملكه في الحال. 

5 - تعويض الخليفة، ومن يعتبر عملهم حكماً، فإنّه لا يكون مقابل عملهم، وإنما هو مقابل حبسهم عن القيام بأعمالهم. وهؤلاء يملكون المال بمجرد أخذه، لأنّ الله أحله لهم. فقد أخذ أبو بكر مالاً، تعويضاً عن حبسه عن التجارة، حين طلب منه أن يتفرغ لشؤون المسلمين، وأقره الصحابة على ذلك. 

فهذه الأموال الخمسة -الصلة، والتعويض على الضرر، والمهر، واللقطة، وتعويض الحكام- مال أخذه الفرد، بغير مقابل من مال، أو جهد، وهذا الأخذ على هذا الوجه من أسباب التملك المشروعة يملك الشخص به المال المأخوذ.

 

عمل الاجير

تحديد العمل 

والإجارة هي الانتفاع بمنافع الشيء المؤجر. وهي بالنسبة للأجير الانتفاع بجهده. ولا بد في إجارة الأجير من تحديد العمل، وتحديد المدة، وتحديد الأجرة، وتحديد الجهد. فلا بد من بيان نوع العمل، حتى لا يكون مجهولاً؛ لأنّ الإجارة على المجهول فاسدة، ولا بد من تحديد مدّة العمل، مياومة أو مشاهرة أو مسانهة، ولا بد من تحديد أجرة العامل. عن ابن مسعود قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إذا استأجر أحدكم أجيراً فليعلمه أجره» ورد في كنـز العمال عن الدارقطني، ولا بد من تحديد الجهد الذي يبذله العامل، فلا يكلف العمال من العمل إلاّ ما يطيـقون. قـال الله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}[186:001]، وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» رواه الشيخان من طريق أبي هريرة. فلا يجوز أن يطلب من العامل أن يبذل جهداً إلاّ بقدر طاقته المعتادة. وبما أن الجهد لا يمكن ضبطه بمعيار حقيقي، كان تحديد ساعات العمل هو أقرب ميزان لضبطه في اليوم الواحد. فتحدد ساعات العمل ضبطاً للجهد. ويحدد معها نوع العمل، كحفر أرض صلبة أو رخوة، وطَرْق حديد، أو قَطْع حجارة، أو سَوْق سيارة، أو عمل في منجم، فإنّه يبين مقدار الجهد أيضاً. وبذلك يكون العمل قد حدد في نوعه ومدته وأجرته، والجهد الذي يبذل فيه. وعلى هذا فإن الشرع حين أباح استخدام العامل احتاط في تحديد عمله، نوعاً ومدة وأجرة وجهداً. وهذا الأجر الذي يأخذه الأجير عوض قيامه بالعمل ملك له بالجهد الذي بذله. 

 

 

نوع العمل

كل عمل حلال تجوز الإجارة عليه. فتجوز الإجارة على التجارة والزراعة والصناعة، وعلى الخدمة، وعلى الوكالة، وعلى نقل جواب الخصم، طالباً كان أو مطلوباً، وعلى جلب البينة، وحملها إلى الحاكم، وعلى طلب الحقوق، وعلى القضاء بين النّاس. وعلى حفر الآبار والبناء، وسَوق السيارات والطائرات، وعلى طبع الكتب ونسخ المصاحف، ونقل الركاب وغير ذلك. والإجارة على العمل إما أن تقع على عمل معين، أو على عمل موصوف في الذِمّة. فإن وقعت الإجارة على عمل معين، أو أجير معين، كأنّ يستأجر خالد محمداً للقيام بخياطة هذا الثوب، أو ليسوق هذه السيارة، وجب على نفس الأجير أن يقوم بالعمل، ولا يجوز له أن يُقيم غيره مقامه مطلقاً، فإذا مرض أو عجز عن القيام بالعمل لم يقم غيره مقامه، لأنّ الأجير قد عُيِّن، وإذا تلف الثوب المعين، أو هلكت السيارة المعينة لا يجب عليه أن يقوم بالعمل في غيرهما، لأنّ نوع العمل قد عُيِّن. أما إذا وقعت الإجارة على عين موصوفة في الذمّة، أو أجير موصوف لعمل معين، أو لعمل موصوف، فإن الحكم يختلف حينئذ، ففي هذه الحال يجوز أن يقوم الأجير بالعمل، ويجوز أن يُقيم غيره مقامه، وإذا مرض أو عجز وجب عليه أن يُقيم مقامه من يعمله، وكذلك يجب عليه أن يسوق السيارة، أو يخيط الثوب، أيَّ سيارة أو أي ثوب يُحضره له المؤجر، ما دام ينطبق عليه وصف العمل الذي جرى عقد الإجارة عليه، لأنّ التحديد لم يكن للذات، فلا يكون تحديداً لها، بل هو تحديد للنوع فيكفي فيه أية عين ما دامت من جنس النوع، وفي هذه الحال يكون تعيينه بالوصف لا بالذات جاعلاً الخيار له لأنّ يأتي بأية ذات من نفس النوع الذي جرى عليه العقد. وتحديد نوع العمل يشمل العامل الذي سـيـعمل لبيان جهده كمهندس مثلاً، ويشمل العمل الذي سيعمل لبيان الجهد الذي يبذل فيه كحفر بئر مثلاً. وعلى ذلك يكون تحديد العمل بالوصف كتحديده بالذات، فيكفي تعيينه بالوصف كتعيينه الذات، ويكفي أن يكون في الذمّة غائباً كما لو كان حاضراً مشاهداً. فكما يجوز أن نستأجر فلاناً المهندس فيتعين هو، كذلك يجوز أن نستأجر مهندساً وصفه كذا، وكما يجوز أن نستأجر شخصاً لخياطة القميص الفلاني، كذلك يجوز أن نستأجر شخصاً لخياطة قميص وصفه كذا.

وإذا تقبل الرجل لعملٍ من الأعمال فأعطاه لغيره بأقل من ذلك، وربح الباقي جاز، سواء أعان الثاني بشيء، أم لم يعنه؛ لأنّه يجوز له أن يؤجر غيره عليه بمثل الأجر الأول، أو دونه أو زيادة عليه. وعلى ذلك فما يفعله أصحاب الصناعات، كالخياطين والنجارين وأمثالهم من استئجار عمال للعمل معهم، وكذلك ما يفعله المتعهدون من استئجار عمال للقيام بأعمال تعهدوا بها جاز، سواء أعطوهم المقدار الذي أخذوه، أو أكثر أو أقل، لأنّ هذا استئجار سواء أكان على أعمال معينة، أم كان لمدة معينة، وهو من نوع الأجير الخاص الجائز شرعاً.

أما تأجيره العمال على أن يأخذ شيئاً من أجرهم، أو وضعه مشرفاً عليهم على جزء من أجرهم فلا يجوز، لأنّه حينئذ يكون قد اغتصب جزءاً من أجرهم الذي قدره لهم، فقد روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «إيّاكم والقسامة. قال: فقلنا: وما القسامة؟ قال: الشيء يكون بين النّاس فينتقص منه» وفي رواية له عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرجل يكون على الفئام من النّاس فيأخذ من حظ هذا وحظ هذا». فلو قاول متعهد شخصاً على أن يحضر مائة عامل، كل عامل بدينار، فأعطى العمال أقل من دينار لا يجوز، لأنّ المقدار الذي قاول عليه يعتبر أجراً محدداً لكل عامل منهم، فإذا أنقص منه أخذ من حقهم. أما لو قاوله على أن يحضر له مائة عامل، ولم يذكر أجرة لهم، وأعطاهم أجرة أقل من المقاولة فإنه يجوز، لأنّه لا يكون أنقص من أجرهم المقدر لهم. ويشترط في تحديد نوع العمل أن يكون التحديد نافياً للجهالة، حتى تكون الإجارة على معلوم، لأنّ الإجارة على مجهول فاسدة، فلو قال استأجرتك لتحمل لي هذه الصناديق من البضاعة إلى مصر بعشرة دنانير فالإجارة صحيحة. أو استأجرتك لتحملها لي كل طن بدينار صح. أو لتحملها لي طناً بدينار، وما زاد فبحساب ذلك جاز أيضاً. وكذلك كل لفظ يدل على إرادة حملها جميعها. أما إذا قال له لتحمل منها طناً بدينار، وما زاد فبحساب ذلك، يريد مهما حملت من باقيها، فلا يصح لأنّ المعقودَ عليه بعضُها وهو مجهول. أما لو قال له تنقل لي كل طن بدينار صح، كما لو استأجره ليخرج له ماء كل متر بقرش جاز. فيشترط أن تكون الإجارة على معلوم، فإن دخلت الجهالة لا تصح.

 

 

مدّة العمل

من الإجارة ما لا بد فيه من ذكر العمل الذي يستأجر عليه فقط، كالخياطة وركوب السيارة إلى مكان كذا، ولا يذكر فيه مدّة، ومنها ما لا بد فيه من ذكر المدة التي يستأجره عليها فقط، ولا يذكر فيه مقدار العمل، كأنّ يقول استأجرتك شهراً تحفر لي بئراً أو قناة، لم يحتج إلى معرفة القدر، وعليه أن يحفر ذلك الشهر، قليلاً حفر أو كثيراً. ومنها ما لا بد فيه من ذكر المدة والعمل في مثل بناء دار، وإنشاء مصفاة بترول وما شاكل ذلك. وكل عمل لا يعرف إلاّ بذكر المدة لا بد فيه من ذكر المدة. لأنّ الإجارة يجب أن تكون معلومة، وعدم ذكر المدة في بعض الأعمال يجعلها مجهولة. وإذا كانت الإجارة مجهولة لا تجوز. وإذا وقعت الإجارة على مدّة معلومة كشهر وسنة فليس لأحدهما الفسخ إلاّ عند انقضاء المدة. وإذا أجره على مدّة مكررة، كأنّ استأجر عاملاً كل شهر بعشرين ديناراً، لزم العقد كل شهر بتلبس الأجير بالعمل الذي استؤجر للقيام به. ولا بد من أن يكون ذكر المدة في عقد الإجارة. إلاّ أنه لا يشترط في مدّة الإجارة أن تلي العقد، بل لو أجره نفسه في شهر رجب وهو في شهر المحرم صح، وإذا ذكرت المدة في العقد، أو كان ذكرها في العقد ضرورياً لنفي الجهالة، فيجب أن تحدد المدة بفترة من الزمن كدقيقة أو ساعة أو أسبوع أو شهر أو سنة.

 

 

أجرة العمل 

ويشترط أن يكون مال الإجارة معلوماً بالمشاهدة والوصف الرافع للجهالة، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا استأجر أحدكم أجيراً فليعلمه أجره» . وعوض الإجارة جائز أن يكون نقداً، وجائز أن يكون غير نقد، وجائز أن يكون مالاً، وجائز أن يكون منفعة، وكل ما جاز أن يكون ثمناً جاز أن يكون عوضاً، على شرط أن يكون معلوماً. أما لو كان مجهولاً فلا يصح. فلو استأجر الحاصد بجزء غير معلوم من الزرع لم يصح للجهالة، بخلاف ما لو استأجره بصاع واحد، أو مُدٍّ صحّ. ويجوز أن يستأجر الأجير بطعامه وكسوته، أو يجعل له أجراً مع طعامه وكسوته. لأنّ ذلك جائز في المرضعة قال تعالى: {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[233:001]. فجعل لهن النفقة والكسوة على الرضاع. وإذا جاز في المرضعة جاز في غيرها، لأنّه كله إجارة، فهي مسألة من مسائل الإجارة. 

والحاصل أنه يجب أن تكون الأجرة معلومة علماً ينفي الجهالة، حتى يتمكن من استيفائها من غير منازعة. لأنّ الأصل في العقود كلها أن تنفي المنازعات بين النّاس. ولا بد من الاتفاق على الأجرة قبل البدء في العمل، ويكره استعمال الأجير قبل أن يتفق معه على الأجرة. وإن وقعت الإجارة على عمل استحق العامل الأجرة بالعقد، لكن لا يجب تسليمها إلاّ بعد العمل، فيجب حينئذ تسليمها فوراً لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي: «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي ثمّ غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره» رواه البخاري عن أبي هريرة. أمّا إذا اشترط تأجيل الأجر فهو إلى أجله، وإن شرطه منجماً يوماً يوماً، أو شهراً شهراً، أو أقل من ذلك أو أكثر، فهو على ما اتفقا عليه. ولا ضرورة لأنّ يستوفي المستأجر المنفعة بالفعل، بل يكفي تمكينه من الانتفاع لأنّ يجعل الأجرة مستحقة عليه. فلو استأجر أجيراً خاصاً ليخدمه في بيته، وجاء إلى البيت ووضع نفسه تحت تصرفه، استحق الأجر بمضي المدة التي يمكن الانتفاع فيها من الأجير؛ لأنّه وإن كان العقد على المنفعة، ولم يستوفها بالفعل، ولكن تمكينه من استيفائها، وعدم مباشرته لاستيفاء المنفعة كاف لاستحقاق الأجرة؛ لأنّ التقصير جاء من جهة المستأجر، لا من جهة الأجير. أما الأجير المشترك، أو الأجير العام فإنّه إذا استؤجر على عمل معين في عين، فلا يخلو إما أن يوقعه وهو في يد الأجير كالصباغ يصبغ في حانوته، والخياط في دكانه فلا يبرأ من العمل حتى يسلمها للمستأجر، ولا يستحق الأجر حتى يسلمه مفروغاً منه؛ لأن المعقود عليه في يده فلا يبرأ منه ما لم يسلمه إلى العاقد. وأما إن كان يوقع العمل في مِلْك المستأجر، مثل أن يحضره المستأجر إلى داره ليخيط فيها، أو يصبغ فيها فإنّه يبرأ من العمل، ويستحق أجره بمجرد عمله؛ لأنّه في يد المستأجر، فيصير مسلماً للعمل حالاً فحالاً.

 

 

الأساس الذي يقوم عليه تقدير الأجرة

الإجارة عقد على المنفعة بعوض. ويشترط لانعقاد الإجارة أهلية العاقدين، بأن يكون كل منهما مميزاً، ويشترط لصحتها رضا العاقدين، ويشترط أن تكون الأجرة معلومة لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا استأجر أحدكم أجيراً فليعلمه أجره» رواه الدارقطني عن ابن مسعود، ولما روى أحمد عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استئجار الأجير حتى يتبين له أجره. إلاّ أنه إذا لم تكن الأجرة معلومة، انعقدت الإجارة وصحت، ويرجع عند الاختلاف في مقدارها إلى أجر المثل. فإذا لم يُسمَّ الأجر عند عقد الإجارة، أو اختلف الأجير والمستأجر في الأجر المسمى، فإنّه يرجع إلى أجر المثل. وإنما يرجع إلى أجر المثل قياساً على المهر، فإنّه يرجع فيه عند عدم التسمية، أو الاختلاف على المسمى، إلى مهر المثل، وذلك لما روى النسائي والترمذي وقال حسن صحيح: «عَن ابْنِ مَسْـعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَهَا مِثـْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ وَعَلَيْهَا العِدَّةُ وَلَهَا المِيرَاثُ فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ فَقَالَ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا مِثْلَ الَّذِي قَضَـيْتَ فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْـعُودٍ». ومعنى قوله: لها صداق نسائها، أي مهر مثل مهر نسائها. فأوجب الشارع مهر المثل لمن لم يُسَمَّ لها مهر. ومثل ذلك إذا اختلف في المهر المسمى. ولما كان المهر عوضاً لازماً يترتب على عقد النكاح، فإنّه يقاس عليه كل عوض لازم يترتب على عقد، بغض النظر عن مقابل هذا العوض، أكان مالاً كالبيع أم منفعةً أم جهداً كالإجارة، أم نِحلةً كما في عقد النكاح. وعليه، فإنّه يحكم فيه بعوض المثل في حالة عدم تسمية العوض في العقد، أو الاختلاف على العوض المسمى، ولذلك يحكم بأجر المثل في الإجارة، وبثمن المثل في البيع، عند عدم التسمية عند العقد، وعند الاختلاف في المسمى. وعلى هذا يحكم بأجر المثل عند اختلاف الأجير والمستأجر على الأجر المسمى، وعند عدم تسمية الأجر عند العقد. فإذا عرفت الأجرة عند العقد، يكون الأجر حينئذ أجراً مسمى. وإذا لم تعرف، أو اختلف على الأجر المسمى، يكون الأجر أجر المثل. وعلى ذلك فالأجرة قسمان: أجر مسمى، وأجر المثل. أما الأجر المسمى فيشترط في اعتباره رضا العاقدين عليه، فإذا رضي العاقدان بأجرة معينة كانت هذه الأجرة هي الأجر المسمى، ولا يجبر المستأجِر على دفع أكثر منها، كما لا يجبر الأجير على أخذ أقل منها، بل هي الأجرة الواجبة شرعاً. أما أجر المثل فهو أجر مثل العمل، ومثل العامل، إذا كان عقد الإجارة قد ورد على منفعة العمل. ويكون أجر المثل أجر مثل العامل فقط، إذا كان عقد الإجارة ورد على منفعة الشخص.

والذي يقدر الأجرة إنما هم ذوو الخبرة في تعيين الأجرة، وليست الدولة، ولا عرف أهل البلد، بل هم الخبراء في أجرة العمل، المراد تقدير أجرته، أو العامل المراد تقدير أجرته.

أما الأساس الذي يقوم عليه تقدير الأجرة من قبل الخبراء، فهو المنفعة، سواء أكانت منفعة العمل، أم منفعة العامل؛ لأنّ عقد الإجارة وارد على المنفعة، فتكون هي الأساس الذي يقوم عليه تقدير الأجرة. فلا تقدر الأجرة بإنتاج الأجير، ولا بأدنى حد لمستوى عيشه بين جماعته، فلا دخل لإنتاج الأجير، ولا لارتفاع مستوى المعيشة في تقديرها، وإنما يرجع تقديرها للمنفعة، فبحسب تقدير الخبراء لقيمة هذه المنفعة في المجتمع الذي يعيشون فيه، يقدرون أجرة الأجير، وحين يقدر الخبراء أجرة العمل، وأجرة العامل، ينظرون إلى قيمة هذه المنفعة في المجتمع، فيقدرونها بقيمة المنفعة التي أداها العامل أو العمل. فإذا جرى الاختلاف على تقدير قيمة المنفعة في المجتمع، فلا يجوز أن تقدر بالبينة والحجة، بل يكتفى برأي الخبراء؛ لأنّ المسألة معرفة قيمة المنفعة لا إقامة بينة على مقدارها.

هذا هو الأساس الذي يجري عليه تقدير الأجرة، وهو المنفعة حسب تقدير الخبراء. إلاّ أنه حين يقدر الخبراء أجر المثل لا أجرة العمل، أو العامل فقط، فإنّه يجب عليهم أن ينظروا إلى الشخص المماثل للأجير لذلك العمل، أي أن ينظروا إلى العمل والعامل، وأن ينظروا في نفس الوقت إلى زمان الإيجار ومكانه؛ لأنّ الأجرة تتفاوت بتفاوت العمل والعامل والزمان والمكان.

والأصل في الخبراء الذين يقدرون الأجرة، أو أجر المثل، أن يختارهم العاقدان، أي المستأجر والأجير، فإن لم يختارا الخبراء، أو اختلفا عليهما، فالمحكمة أو الدولة هي صاحبة الصلاحية في تعيين هؤلاء الخبراء.

حق التصرف في الملكية

لقد عُرِّفت الملكية بأنها حكم شرعي مقدر بالعين أو المنفعة، يقتضي تمكين من يضاف إليه من انتفاعه بالشيء، وأخذ العوض عنه. وعلى هذا تكون الملكية هي الحكم الشرعي المقدر بالعين أو المنفعة، أي هي إذن الشارع، فيكون التصرف هو ما ترتب على هذا الحكم الشرعي، أي على الإذن من تمكين المالك من الانتفاع بالشيء، وأخذ العوض عنه. فالتصرف بالملكية مقيد بإذن الشارع، لأنّ الملكية هي إذن الشارع بالانتفاع. والتصرف هو الانتفاع بالعين. ولما كان المال لله، والله قد استخلف العبد فيه بإذن منه، كانت حيازة الفرد للمال أشبه بوظيفة، يقوم بها للانتفاع بالمال وتنميته منها بالامتلاك. لأنّ الفرد حين يملك المال إنما يملكه للانتفاع به، وهو مقيد فيه بحدود الشرع، وليس مطلق التصرف فيه. كما أنه ليس مطلق التصرف في نفس العين، ولو ملكها ملكية عينية. بدليل أنه لو تصرف بالانتفاع بهذا المال تصرفاً غير شرعي، بالسفه، والتبذير، كان على الدولة أن تَحْجُر عليه، وتمنعه من هذا التصرف، وأن تسلبه هذه الصلاحية التي منحه الله إياها. وعلى ذلك يكون التصرف بالعين، والانتفاع بها، هو المعنى المراد من ملكيتها، أو هو أثر هذه الملكية. وحق التصرف في العين المملوكة يشمل حق التصرف في تنمية الملك، وحق التصرف بالإنفاق صلةً ونفقةً.

توزيع الثروة بين النّاس

لقد أباح الإسلام الملكية الفردية، ولكنه حدد كيفية التملك. وأذن للفرد بأن يتصرف بما يملك، ولكنه حدد كيفية التصرف. ولاحظ تفاوت القوى العقلية والجسمية لدى أفراد بني الإنسان، فاحتاط لهذا التفاوت في إعانته العاجز، وكفايته المحتاج، وفرضه في أموال الأغنياء حقاً للفقراء والمساكين. وقد جعل ما لا تستغني عنه الجماعة ملكاً عاماً لجميع المسلمين، لا يجوز لأحد أن يمتلكه، أو يحميه لنفسه، أو لغيره. كما جعل الدولة مسؤولة عن توفير الثروة أموالاً وخدمات للرعية، وأباح لها أن تتملك ملكية خاصّة بها. 

وبهذا كله ضمن العيش لكل فرد من أفراد الرعية، وضمن للجماعة أن تبقى مجتمعة متماسكة، وضمن مصالح هؤلاء الأفراد، ورعاية شؤون هذه الجماعة، وحفظ كيان الدولة في قدرة كافية للاضطلاع بمسؤولياتها الاقتصادية. غير أن ذلك كله يحصل إذا بقي المجتمع على وضع يتحقق فيه توفير الثروة لجميع أفراد الرعية، فرداً فرداً، وكان أفراد الرعية في جملتهم قائمين بتنفيذ جميع أحكام الشرع. أما إذا قام المجتمع على تفاوت فاحش بين أفراده، في توفير الحاجات، كما هي الحال الآن في العالم الإسلامي، كان لا بد من إيجاد توازن بين أفراده، في عملية توزيع جديدة، توجد التقارب في توفير الحاجات. 

وكذلك أيضاً إذا حصل انحراف في أذهان النّاس في تطبيق الأحكام الشرعية، لفهم سقيم، أو لفساد طارئ، أو حصل تقصير من الدولة في تطبيق النظام، فإنهم حينئذ ينحرفون عن النظام، وينحرف المجتمع عن وضعه المرسوم، فيؤدي ذلك إلى الأثرة، والأنانية، وسوء التصرف، في الملكية الفردية، فيحصل حينئذ سوء توزيع الثروة بين النّاس، فيصبح لا بد من حفظ التوازن بين أفراد المجتمع، أو إيجاد هذا التوازن. 

وفي كلتا الحالتين يحصل سوء التوزيع للثروة بين النّاس من أحد أمرين. إما من تداول الثروة بين فئة الأغنياء وحدهم. وإما من منعها عن النّاس، ومنع أداة التداول بينهم بحجزها عن المجتمع. وقد عالج الإسلام هاتين الناحيتين، فوضع أحكاماً شرعية تضمن تداول الثروة بين النّاس جميعاً، وتعيد توزيعها كلّما حصل اختلال في توازن المجتمع. كما وضع أحكاماً شرعية تمنع كنز الذهب والفضة، بوصفهما أداة التبادل، وتجبر على وضعهما في المجتمع بين النّاس موضع التبادل. وبذلك يعالج المجتمع الفاسد، ويعالج المجتمع المنحرف، أو المائل للانحراف، ويعمل لتوفير الثروة لجميع أفراد الرعية، فرداً فرداً حتى يشبع كل فرد منهم حاجاته الأساسية، إشباعاً تاماً، ويفتح أمامه السبيل ليعمل على إشباع حاجاته غير الأساسية قدر ما يستطيع. 

 التوازن الاقتصادي في المجتمع

 

أوجب الإسلام تداول المال بين جميع أفراد الرعية، ومنع حصر تداوله بين فئة من النّاس. قال تعالى: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ }[007:59] فإذا كان المجتمع على حال من التفاوت الفاحش بين أفراده في توفير الحاجات، وأريد بناؤه من جديد، أو حصل فيه هذا التفاوت من إهمال أحكام الإسلام، والتساهل في تطبيقها، كان على الدولة أن تعالج إيجاد التوازن في المجتمع بإعطائها من أموالها التي تملكها لمن قصرت به حاجته، حتى تكفيه إياها، وحتى يحصل بهذه الكفاية التوازن في توفير الحاجات. وعليها أن تعطي المال منقولاً، وغير منقول. لأنّه ليس المقصود من إعطاء المال قضاء الحاجة مؤقتاً، بل المقصود توفير وسائل قضائها، بتوفير ملكية الثروة التي تسد هذه الحاجات، وإذا كانت الدولة لا تملك مالاً، أو لم تف أموالها بإيجاد هذا التوازن، لا يصح أن تملك من أموال النّاس، فلا تفرض ضرائب من أجل هذا التوازن؛ لأنّه ليس من الأمور التي فرضت على جميع المسلمين، وهكذا كلّما رأت الدولة اختلالاً بالتوازن الاقتصادي في المجتمع، عالجت هذا الخلل بإعطاء من قصرت بهم الحاجة من أموال الدولة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى التفاوت في ملكية الأموال بين المهاجرين والأنصار خص المهاجرين بأموال الفيء، الذي غنمه من بني النضير، من أجل إيجاد التوازن الاقتصادي. فقد روي أنه لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم بني النضير صلحاً، وأجلى اليهود عنها، سأل المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم لهم، فنزلت: {وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ}[006:59] الآيات، فجعل الله أموال بني النضير للنبي صلى الله عليه وسلم خاصّة يضعها حيث شاء، فقسمها النبي بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئاً سوى رجلين اثنين هما أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، فقد كانت حالهما كحال المهاجرين من حيث الفقر. وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار إن شئتم قسمت للمهاجرين من دياركم وأموالكم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم نقسم لكم من الغنيمة شيئاً، فقالت الأنصار بل نقسم لإخواننا من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة. فأنزل الله {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}[09:59] فقوله تعالى: {لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ}[007:59] أي كيلا يتداول بين الأغنياء فقط، والدُولة في اللغة اسم للشيء الذي يتداوله القوم، وهي أيضاً اسم لما يتداول من المال، أي كيلا يكون الفيء الذي حقه أن يُعطى للفقراء ليكون بُلْغةً لهم يعيشون بها، واقعاً في يد الأغنياء ودُولة بينهم.

وما فُعل بفيء بني النضير، وهو من أموال الدولة، قد خص به الفقراء، وحرم منه الأغنياء، لتوازن توفير الحاجات بينهم. ويُفعل ذلك في أموال بيت المال، إذا كانت هذه الأموال لم تأت مما يجمع من المسلمين، بل مثل أموال الغنائم. أما إذا كان المال جمع من المسلمين، فلا يصرف على التوازن. ويفعل ذلك في كل وقت، لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وعليه فإن على الخليفة أن يوجد التوازن الاقتصادي بإعطائه الفقراء من الرعية وحدهم، من أموال الدولة التي في بيت المال، حتى يوجد التوازن الاقتصادي بهذا العطاء. إلاّ أن هذا لا يعتبر من نفقات بيت المال الثابتة، بل هو معالجة لحالة معينة من أموال معينة.

الشركات

أحكام الشركات

الشركة في الإسلام

الشـركة في اللغـة خلط النصيـبين فصاعداً، بحيث لا يتميز الواحد عن الآخر. والشـركة شـرعاً هي عقد بين اثنين فأكثر، يتفقان فيه على القيام بعمل مالي، بقصد الربح. وعقد الشركة يقتضي وجود الإيجاب والقبول فيه معاً، كسائر العقود. والإيجاب أن يقول أحدهما للآخر شاركتك في كذا، ويقول الآخر قبلت. إلاّ أنه ليس اللفظ المذكور بلازم بل المعنى، أي لا بد من أن يتحقق في الإيجاب والقبول معنى يفيد أن أحدهما خاطب الآخر مشافهة، أو كتابة، بالشركة على شيء، والآخر يقبل ذلك. فالاتفاق على مجرد الاشتراك لا يعتبر عقداً، والاتفاق على دفع المال للاشتراك لا يعتبر عقداً، بل لا بد من أن يتضمن العقد معنى المشاركة على شيء. وشرط صحة عقد الشركة أن يكون المعقود عليه تصرفاً، وأن يكون هذا التصرف المعقود عليه عقد الشركة، قابلاً للوكالة، ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركاً بينهما. 

والشركة جائزة، لأنّه صلى الله عليه وسلم بُعث والناس يتعاملون بها، فأقرهم الرسول عليها، فكان إقراره عليه السلام لتعامل النّاس بها دليلاً شرعياً على جوازها.

وروى البخاري من طريق سليمان بن أبي مسلم أنه قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يداً بيد، فقال: اشتريت أنا وشريك لي شيئاً يداً بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب، فسألناه، فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم، وسـألنـا النبي صلى الله عليه وسلم  عـن ذلك فقـال: «ما كـان يـداً بيد فخـذوه وما كان نسيئة فردّوه» فهو يدل على أن الشركة كان المسلمون يتعاملون بها وأقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم  عليها. وروى أبوداود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقول أنا ثـالث الشـريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما».

وتجوز الشركة بين المسلمين مع بعضهم، وبين الذميين مع بعضهم، وبين المسلمين والذميين. فيصح أن يشارك المسلم النصراني والمجوسي وغيرهم من الذميين. روى مسلم عن عبد الله بن عمر قال: «عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم  أهل خيبر -وهم يهود- بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» . و«اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي طعاماً ورهنه درعه» رواه البخاري من طريق عائشة. وروى الترمذي عن ابن عباس قال: «توفى النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة بعشرين صاعاً من طعام أخذه لأهله» . وروى الترمذي عن عائشة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى يهودي يطلب منه ثوبين إلى الميسرة» . ولهذا فإن شراكة اليهود والنصارى وغيرهم من الذميين جائزة، لأنّ معاملتهم جائزة. إلاّ أن الذميين لا يجوز لهم بيع الخمر والخنزير وهم في شركة مع المسلم، أما ما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركتهم للمسلم فثمنه حلال في الشركة. ولا تصح الشركة إلاّ من جائز التصرف؛ لأنّها عقد على التصرف في المال، فلم يصح من غير جائز التصرف في المال؛ ولذلك لا تجوز شركة المحجور عليه، ولا شركة كل من لا يجوز تصرفه.

والشركة إما شركة أملاك، أو شركة عقود. فشركة الأملاك هي شركة العين، كالشركة في عين يرثها رجلان، أو يشتريانها، أو يهبها لهما أحد، أو ما شاكل ذلك. وتعتبر شركة العقود هي موضع البحث في تنمية الملك. ويتبين من استقراء شركات العقود في الإسلام وتتبعها، وتتبع الأحكام الشرعية المتعلقة بها، والأدلة الشرعية الواردة في شأنها، أن شركات العقود خمسة أنواع هي: شركة العنان، وشركة الأبدان، وشركة المضاربة، وشركة الوجوه، وشركة المفاوضة، وهذه هي مجمل أحكامها: 

 

شركة العنان

وهي أن يشترك بدنان بماليهما، أي أن يشترك شخصان بماليهما على أن يعملا فيه بأبدانهما، والربح بينهما. وسمّيت شركة عنان؛ لأنهما يتساويان بالتصرف كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما، وتساويا في السير فإن عنانيهما يكونان سواء. وهذه الشركة جائزة بالسنة وإجماع الصحابة، والناس يشتركون بها منذ أيام النبي صلى الله عليه وسلم ، وأيام الصحابة.

وهذا النوع من الشركة يجعل فيه رأس المال نقوداً؛ لأنّ النقود هي قيم الأموال وأثمان المبيعات. أما العروض فلا تجوز الشركة عليها إلاّ إذا قوّمت وقت العقد، وجعلت قيمتها وقت العقد رأس المال. ويشترط أن يكون رأس المال معلوماً يمكن التصرف به في الحال. فلا تجوز الشركة على رأس مال مجهول، ولا تجوز بمال غائب، أو بدين، لأنّه لا بد من الرجوع إلى رأس المال عند المفاصلة. ولأن الدين لا يمكن التصرف به في الحال، وهو مقصود الشركة. ولا يشترط تساوي المالين في القدر، ولا أن يكون المالان من نوع واحد، إلا أنه يجب أن يُقوَّما بقيمة واحدة حتى يصبح المالان مالاً واحداً، فيصح أن يشتركا بنقود مصرية وسورية، ولكن يجب أن يقوما بقيمـة واحـدة، تقويـماً يذهب انفصالهما، ويجعلهما شيئاً واحداً. لأنّه يشـتـرط أن يكـون رأس مال الشـركة مالاً واحـداً شائعاً للجميع، لا يعرف أحد الشريكين ماله من مال الآخر. ويشترط أن تكون أيدي الشريكين على المال. وشركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة؛ لأنّ كل واحد منهما يكون بدفعه المال إلى صاحبه قد أمنه، وبإذنه له في التصرف قد وكله. ومتى تمَّت الشركة صارت شيئاً واحداً، وصار واجباً على الشركاء أن يباشروا العمل بأنفسهم، لأنّ الشركة وقعت على أبدانهم. فلا يجوز لأحدهم أن يوكل عنه من يقوم ببدنه مقامه في الشركة في التصرف. بل الشركة كلها تؤجر من تشـاء، وتسـتخدم بدن من تشاء أجيراً عندها لا عند أحد الشركاء.

ويجوز لكل واحد من الشريكين أو الشركاء أن يبيع ويشتري على الوجه الذي يراه مصلحة للشركة. وله أن يقبض الثمن والمبيع، ويخاصم في الدين، ويطالب به، وأن يحيل ويحال عليه، ويرد بالعيب. وله أن يستأجر من رأس مال الشركة ويؤجر؛ لأنّ المنافع أجريت مجرى الأعيان، فصار كالشراء والبيع. فله أن يبيع السلعة، كالسيارة مثلاً، وله أن يؤجرها باعتبارها سلعة للبيع، فصارت منفعتها في الشركة كالعين نفسها. فأُجرِيَت مجراها. ولا يشترط تساوي الشريكين في المال، بل يشترط تساويهما في التصرف. أما المال فيصح أن يتفاضلا في المال، ويصح أن يتساويا، والربح يكون على ما شرطا. فيصح أن يشترطا التساوي في الربح، ويصح أن يشترطا التفاضل فيه. وقد كان علي رضي الله عنه يقول بهذا: «الربح على ما اصطلحوا عليه» رواه عبد الرزاق في الجامع. أما الخسارة في شركة العنان فإنها تكون على قدر المال فقط، فإن كان مالهما متساوياً في القدر فالخسارة بينهما مناصفة، وإن كان أثلاثاً فالخسران أثلاثاً. وإذا شرطا غير ذلك لا قيمة لشرطهما، وينفذ حكم الخسارة دون شرطهما، وهو أن توزع الخسارة على نسبة المال؛ لأنّ البدن لا يخسر مالاً، وإنما يخسر ما بذله من جهد فقط، فتبقى الخسارة على المال، وتوزع عليه بنسبة حصص الشركاء. وذلك أن الشراكة وكالة، وحكم الوكالة أن الوكيل لا يضمن، وأن الخسارة تقع على مال الموكل. روى عبد الرزاق في الجامع عن عليّ رضي الله عنه قال: «الوضيعة على المال والربح على ما اصطلحوا عليه» .

 

شركة الأبدان

وهي أن يشترك اثنان أو أكثر بأبدانهما فقط دون مالهما، أي فيما يكتسبانه بأيديهما، أي بجهدهما. من عمل معين، سواء أكان فكرياً أم جسدياً. وذلك كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم، فما يربحونه فهو بينهم. كالمهندسين، والأطباء، والصيادين، والحمالين، والنجارين، وسائقي السيارات، وأمثالهم. ولا يشترط اتفاق الصنائع بين الشركاء، ولا أن يكونوا جميعاً صناعاً. فلو اشترك صناع مختلفو الصنائع جاز، لأنّهم اشتركوا في مكسب مباح فصح، كما لو اتفقت الصنائع بينهم. ولو اشتركوا في عمل معين، على أن يدير أحدهم الشركة، والآخر يقبض المال، والثالث يعمل بيده، صحت الشركة. وعلى ذلك يجوز أن يشترك عمال في مصنع، سواء أكانوا كلهم يعرفون الصناعة أم بعضهم يعرف، وبعضهم الآخر لا يعرف، فيشتركون صناعاً وعمالاً وكتاباً وحراساً، يكونون جميعاً شركاء في المصنع. إلاّ أنه يشترط أن يكون العمل الذي اشتركوا بالقيام به بقصد الربح عملاً مباحاً، أما إذا كان العمل محرماً فلا تجوز الشركة فيه. 

والربح في شركة الأبدان يكون بحسب ما اتفقوا عليه من مساواة أو تفاضل. لأنّ العمل يستحق به الربح، ويجوز تفاضل الشركاء في العمل، فجاز تفاضلهم في الربح الحاصل به. ولكل واحد منهم المطالبة بالأجرة كلها ممن استأجرهم، وبثمن البضاعة التي صنعوها ممن يشتريها. وللمستأجر لهم، أو المشتري منهم ما صنعوا من بضاعة، دفع الأجرة جميعها، أو دفع ثمن البضاعة جميعه، إلى أي واحد منهم، وإلى أيهم دفعها برىء. وإن عمل أحد الشركاء دون شركائه فالكسب بينهم؛ لأنّ العمل مضمون عليهم معاً، وبتضامنهم له وجبت الأجرة، فيكون لهم، كما كان الضمان عليهم. وليس لأحدهم أن يوكل عنه غيره شريكاً ببدنه، كما أنه ليس لأحدهم أن يستأجر أجيراً عنه شريكاً ببدنه؛ لأنّ العقد وقع على ذاته، فيجب أن يكون هو المباشر للعمل، لأنّ الشريك بدنه هو، وهو المتعين في الشركة. ولكن يجوز أن يستأجر أحدهم أجراء، والاستئجار حينئذ يكون من الشركة، وللشركة، ولو باشره واحد من الشركاء، ولا يكون نيابة عنه، ولا وكالة ولا أجيراً عنه. ويكون تصرف كل شريك تصرفاً عن الشركة، ويلزم كل واحد منهم ما يتقبله شريكه من أعمال. 

وهذه الشركة جائزة لما روى أبو داود والأثرم بإسنادهما عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود قال: «اشتركت أنا وعمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، فيما نُصيب يوم بدر، فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشيء» وقد أقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك. وقال أحمد بن حنبل: «أشرك بينهم النبي صلى الله عليه وسلم » . فهذا الحديث صريح في اشتراك جماعة من الصحابة في أبدانهم في عمل يقومون به، وهو قتال الأعداء، ويقسمون ما ينالون من غنائم إن ربحوا المعركة. أما ما يقال من أن حكم الغنائم يخالف هذه الشركة، فإنّه غير وارد على هذا الحديث؛ لأنّ حكم الغنائم نزل بعد معركة بدر هذه، فحين حصلت هذه الشركة بأبدانهم، لم يكن حكم الغنائم موجوداً. وحكم الغنائم الذي نزل فيما بعد لا ينسخ الشركة التي حصلت، وإنما يبين نصيب الغانمين، ويبقى حكم شركة الأبدان ثابتاً بهذا الحديث. 

 

 

شركة المضاربة 

وتسمى قراضاً، وهي أن يشترك بدن ومال. ومعناها أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه، على أن ما يحصل من الربح يوزع بينهما حسب ما يشترطانه. إلاّ أن الخسارة في المضاربة لا تخضع لاتفاق الشريكين، بل لما ورد في الشرع. والخسارة في المضاربة تكون شرعاً على المال خاصة، ليس على المضارب منها شيء، حتى لو اتفق رب المال والمضارب على أن الربح بينهما، والخسارة عليهما، كان الربح بينهما، والخسارة على المال، وذلك لأنّ الشركة وكالة، وحكم الوكيل أنه لا يضمن، وأن الخسارة تقع على الموكِّل فقط، وروى عبد الرزاق في الجامع عن علي رضي الله عنه قال: «الوضيعة على المال، والربح على ما اصطلحوا عليه» . فالبدن لا يخسر مالاً، وإنما يخسر ما بذله من جهد فقط، فتبقى الخسارة على المال. 

ولا تصح المضاربة حتى يُسلَّم المال إلى العامل، ويخلى بينه وبينه؛ لأنّ المضاربة تقتضي تسليم المال إلى المضارب. ويجب في المضاربة تقدير نصيب العامل، وأن يكون المال الذي تجري المضاربة عليه قدراً معلوماً. ولا يصح أن يعمل رب المال مع المضارب، ولو شرط عليه لم يصح، لأنّه لا يملك التصرف بالمال الذي صار للشركة، ولا يملك رب المال التصرف بالشركة مطلقاً، بل المضارب هو الذي يتصرف، وهو الذي يعمل، وهو صاحب اليد على المال. وذلك لأنّ عقد الشركة حصل على بدن المضارب، ومال رب المال، ولم يقع العقد على بدن رب المال، فصار كالأجنبي عن الشركة، لا يملك أن يتصرف فيها بشيء. إلاّ أن المضارب مقيّد بما أذن له رب المال من تصرف، ولا يجوز له أن يخالفه، لأنه متصرف بالإذن، فإذا أذن له أن يتاجر بالصوف فقط، أو منعه من أن يشحن البضاعة في البحر فإن له ذلك، لكن ليس معنى هذا أن يتصرف رب المال بالشركة، بل معناه أن المضارب مقيد في حدود ما أذن له رب المال، ولكن مع ذلك، فالتصرف في الشركة محصور بالعامل فقط، وليس لرب المال أية صلاحية في التصرف. 

ومن المضاربة أن يشترك مالان وبدن أحدهما. فلو كان بين رجلين ثلاثة آلاف، لأحدهما ألف، وللآخر ألفان. فأَذِنَ صاحب الألفين لصاحب الألف أن يتصرف فيهما على أن يكون الربح بينهما نصفين، صحت الشركة، ويكون العامل هو صاحب الألف مضارباً عند صاحب الألفين وشريكاً له. وكذلك من المضاربة أن يشترك مالان وبدن غيرهما، فإنها كلها تدخل في باب المضاربة. 

والمضاربة جائزة شرعاً لما روي: «أن العباس بن عبد المطلب كان يدفع مال المضاربة، ويشترط على المضارب شروطاً معينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فاستحسنه» ، وانعقد إجماع الصحابة على جواز المضاربة. فقد روى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن حميد عن أبيه عن جده: «أن عمر بن الخطاب دفع إليه مال يتيم مضاربة، فطلب فيه فأصاب، فقاسمه الفضل» وذكر ابن قدامة في المغني عن مالك بن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده: «أن عثمان قارضه» وذكر أيضاً عن ابن مسعود وحكيم بن حزام: «أنهما قارضا» وقد كان ذلك على مرأى من الصحابة، ولم يُروَ مخالف له، ولم ينكر أحد ذلك فكان ذلك إجماعاً منهم على المضاربة.

 

 

شركة الوجوه

وهي أن يشترك بدنان بمال غيرهما. أي أن يدفع واحد ماله إلى اثنين فأكثر مضاربة، فيكون المضاربان شريكين في الربح بمال غيرهما. فقد يتفقان على قسمة الربح أثلاثاً، لكل واحد منهما الثلث، وللمال الثلث، وقد يتفقان على قسمته أرباعاً للمال الربع، ولأحدهما الربع وللآخر النصف، وقد يتفقان على غير ذلك من الشروط. وبهذه الشروط الممكنة الحصول يمكن أن يحصل تفاضل بين العاملين في الربح، فصار اشتراكهما مع تفاضل حصصهما مبنياً على وجاهة أحدهما، أو وجاهتهما، إما من ناحية المهارة في العمل، وإما من ناحية حسن التصرف في الإدارة، مع أن التصرف الشرعي الذي يملكانه في المال واحد. ومن أجل ذلك صارت هذه الشركة قسماً من نوع آخر غير شركة المضاربة، مع أنها في حقيقتها ترجع إلى المضاربة.

ومن شركة الوجوه أن يشترك اثنان فأكثر فيما يشتريانه بثقة التجار بهما، وجاههما المبني على هذه الثقة، من غير أن يكون لهما رأس مال. ويشترطان على أن يكون ملكهما فيما يشتريانه نصفين، أو أثلاثاً أو أرباعاً، أو نحو ذلك، ويبيعان ذلك، فما يكسبانه من ربح فهو بينهما مناصفة، أو أثلاثاً أو أرباعاً أو نحو ذلك، حسب ما يتفقان عليه، لا حسب ما يملكان في البضاعة. أما الخسارة فتكون على قدر ملكهما في المشتريات؛ لأنّه بمقام مالهما، لا على حسب ما يشترطان من خسارة، ولا على حسب الربح، سواء أكان الربح بينهما بقدر مشترياتهما أم مختلفاً عنها.

وشركة الوجوه بقسميها جائزة. لأنهما إذا اشتركا بمال غيرهما كانت من قبيـل شـركة المضاربـة الثابتـة بالسـنة والإجماع. وإن اشتركا فيمـا يـأخـذانـه من مال غيرهـما، أي فيما يشتريـانـه بجاههما، وثقـة التجار بهما، فهي من قبيل شركة الأبدان الثابتة بالسنة، فتكون شركة الوجوه ثابتة بالسنة والإجماع.

إلاّ أنه ينبغي أن يعلم أن المراد بالثقة هنا الثقة المالية، وهي الثقة بالسداد، وليس الجاه والوجاهة. لأنّ الثقة إذا أُطلقت في موضوع التجارة والشركة ونحو ذلك، فإنما يقصد منها الثقة بالسداد، وهي الثقة المالية. وعلى ذلك قد يكون الشخص وجيهاً، ولكنه غير موثوق بالسداد، فلا توجد فيه ثقة مالية، ولا يعتبر أن لديه ثقة تعتبر في موضوع التجارة والشراكة. فقد يكون وزيراً، أو غنياً، أو تاجراً كبيراً، ولكن لا توجد به ثقة بالسداد، فلا تكون به ثقة مالية، ولا يؤمَّن على شيء، فإنّه لا يستطيع أن يشتري من السوق أية بضاعة دون أن يدفع ثمنها. وقد يكون شخص فقيراً ولكن التجار يثقون بسداده ما عليه من المال، فإنّه يستطيع أن يشتري بضاعة دون أن يدفع ثمنها. وعلى هذا فشركة الوجوه تتركز فيها الثقة بالسداد، لا الوجاهة. وعلى ذلك فإن ما يحصل في بعض الشركات من إدخال وزير عضواً في شركة، ويجعل له نصيب معين من الربح، دون أن يدفع أي مال، أو يشترك بأي جهد، وإنما أشرك لمنزلته في المجتمع، حتى يسهّل للشركة معاملاتها، فإن ذلك ليس من قبيل شركة الوجوه، ولا ينطبق عليها تعريف الشركة في الإسلام. فلا يجوز هذا النوع من الاشتراك، ولا يكون هذا الشخص شريكاً، ولا يحل له أن يأخذ شيئاً من هذه الشركة.

وما يحصل في بعض البلدان كالسعودية والكويت من أن غير السعودي، أو غير الكويتي، لا يسمح له برخصة للتجارة، أو للعمل، فيدخل معه سعودياً في السعودية، أو كويتياً في الكويت، ويجعل له حصة من الربح دون أن يدفع هذا السعودي، أو هذا الكويتي، أي مال، ودون أن تعقد الشركة على بدنه، وإنما اعتبر شريكاً من أجل أن الرخصة أخذت باسمه، وجعلت له حصة من الربح مقابل ذلك، فهذا أيضاً ليس من شركة الوجوه، ولا هو من الشركة الجائزة شرعاً، ولا يعتبر هذا السعودي، أو الكويتي، شريكاً، ولا يحلّ له أن يأخذ شيئاً من هذه الشركة؛ لأنّه لا تنطبق عليه الشروط التي أوجب الشرع أن تتوفر في الشريك، حتى يكون شريكاً شرعاً، وهي الاشتراك بالمال، أو البدن، أو الثقة التجارية بالسداد، ليباشر هو العمل بما يأخذه من بضاعة بهذه الثقة.

 

شركة المفاوضة

وهي أن يشترك الشريكان في جميع أنواع الشركة المار ذكرها، مثل أن يجمعا بين شركة العنان، والأبدان، والمضاربة، والوجوه، وذلك كأنّ يدفع شخص مالاً لمهندسيْن شراكة مع مالهما مضاربة، ليبنيا دوراً لبيعها والتجارة فيها، واتفقا على أن يشتغلا بأكثر مما بين أيديهما من مال، وصارا يأخذان بضاعة من غير دفع ثمنها حالاً، بناء على ثقة التجار بهما. فاشتراك المهندسين معاً ببدنهما شركة أبدان؛ باعتبار صناعتهما ودفعهما مالاً منهما يشتغلان به معاً شركة عنان، وأخذهما مالاً من غيرهما مضاربة شركة مضاربة، واشتراكهما في البضاعة التي يشتريانها بناء على ثقة التجار بهما شركة وجوه، فهذه الشركة جمعت جميع أنواع الشركات في الإسلام فيصح ذلك؛ لأنّ كل نوع منها يصح على انفراده، فيصح مع غيره. والربح على ما اصطلحا عليه، فيجوز أن يجعل الربح على قدر المالين، ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال، وأن يتفاضلا مع تساويهما في المال. 

هذا النوع من شركة المفاوضة جائز لورود النص به. أما ما يذكره بعض الفقهاء، من أنواع شركة المفاوضة الأخرى، وهي أن يشترك الرجلان، فيتساويان في ماليهما، وتصرفهما، وديْنهما، يفوض كل واحد منهما إلى صاحبه على الإطلاق، فلا تجوز مطلقاً؛ لأنّه لم يرد نص شرعي دليلاً عليها، ولأنّ الحديث الذي يستشهدون به وهو «إذا تفاوضتم فاحسنوا المفاوضة» أو حديث «فاوضوا فإنّه أعظم للبركة» لم يصح شيء من هذين الحديثين، ولا في معناهما، على فرض صحة دلالتهما؛ ولأنّ هذه الشركة شركة على مال مجهول، وعمل مجهول، وهذا وحده كاف لعدم صحة هذه الشركة، ولأنّ من مالهما الإرث الذي يصير إليهما بعد وفاة المورث، وقد يكون أحدهما ذمياً فكيف يجعل له نصيب في الإرث. ولأنّ الشركة تتضمن معنى الوكالة، والوكالة بمجهول الجنس لا تجوز. فكان كله دالاً على عدم صحة هذا النوع من شركة المفاوضة.

 

 

فسخ الشركة 

والشركة من العقود الجائزة شرعاً. وتبطل بموت أحد الشريكين، أو جنونه، أو الحجر عليه لسفه، أو بالفسخ من أحدهما، إذا كانت الشركة مكونة من اثنين، لأنّها عقد جائز، فبطلت بذلك كالوكالة. فإن مات أحد الشريكين، وله وارث رشيد، فله أن يقيم على الشركة، ويأذن له الشريك في التصرف، وله المطالبة بالقسمة. وإذا طلب أحد الشريكين الفسخ وجب على الشريك الآخر إجابة طلبه. وإذا كانوا شركاء، وطلب أحدهم فسخ الشراكة ورضي الباقون ببقائها، فسخت الشركة التي كانت قائمة، وجددت بين الباقين. إلاّ أنه يُفرّق في الفسخ بين شركة المضاربة وغيرها، ففي شركة المضاربة، إذا طلب العامل البيع، وطلب صاحب المال القسمة، أجيب طلب العامل؛ لأنّ حقه في الربح، ولا يظهر الربح إلاّ في البيع. أما في باقي أنواع الشركة إذا طلب أحدهما القسمة، والآخر البيع، أجيب طلب القسمة، دون طلب البيع. 

 

الشركات الرأسمالية

الشركة، في النظام الرأسمالي، عقد، بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كل منهما في مشروع مالي، بتقديم حصة من مال أو عمل، لاقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو خسارة. وهي قسمان: شركات الأشخاص، وشركات الأموال. 

أما شركات الأشخاص فهي التي يدخل فيها العنصر الشخصي، ويكون له أثر في الشركة، وفي تقدير الحصص، وذلك كشركات التضامن، وشركات التوصية البسيطة. بخلاف شركات الأموال، فإنه لا يكون فيها للعنصر الشخصي أي وجود، ولا أي اعتبار، أو أي أثر، بل هي قائمة على انتفاء وجود العنصر الشخصي، وانفراد العنصر المالي فقط في تكوين الشركة وفي سيرها، وذلك كشركات المساهمة، وشركات التوصية بالأسهم.

 

شركة التضامن 

هي عقد بين شخصين أو أكثر، يتفقان فيه على الاتجار معاً، بعنوان مخصوص، ويلتزم جميع أعضائها بديون الشركة، على جميع أموالهم بالتضامن من غير قيد وحد. لذلك لا يمكن أن يتنازل أي شريك عن حقوقه في الشركة لغيره إلا بإذن باقي الشركاء، وتنحل الشركة بموت أحد الشركاء، أو الحجر عليه، أو إفلاسه، ما لم يوجد اتفاق يخالف ذلك. وأعضاء هذه الشركة متضامنون في تعهداتها قِبَلَ الغير في تنفيذ جميع تعهدات الشركة، ومسؤوليتهم في ذلك غير محدودة، فكل شريك مطالب بأداء جميع ديون الشركة، لا من أموال الشركة فحسب، بل من أمواله أيضاً، فعليه أن يوفي بأمواله هو ما نقص من ديون الشركة، بعد نفاذ مالها، ولا تسمح هذه الشركة باتساع المشروع. ويتم تكوينها من أشخاص قلائل، يثق كل منهم بالآخر، ويعرفه معرفة جيدة، وأهم اعتبار فيها شخصية الشريك، لا من حيث كونه بدناً فقط، بل من حيث مركزه وتأثيره في المجتمع. 

وهذه الشركة فاسدة؛ لأن الشروط التي تنص عليها تخالف شروط الشركات في الإسلام؛ لأن الحكم الشرعي أنه لا يشترط في الشريك إلا كونه جائز التصرف فقط، وأن للشركة أن توسع أعمالها، فإذا اتفق الشركاء على توسيع الشركة، إما بزيادة رأسمالهم، أو بإضافة شركاء، فهم مطلقو التصرف يفعلون ما يشاؤون، ولأن الشريك غير مسؤول في الشركة شخصياً إلا بنسبة ما لَهُ من حصة فيها، ولأن له الحق أن يترك الشركة في أي وقت يريد دون حاجة لموافقة الشركاء؛ والشركة لا تنحل بموت أحد الشركاء، أو الحجر عليه، بل تنفسخ شراكته هو وحده، وتبقى شراكة باقي الشركاء، إذا كانت الشركة مؤلفة من أكثر من اثنين. هذه هي الشروط الشرعية، فاشتراط شركة التضامن بخلاف هذه الشروط، بل نقيضها، يجعلها شركة فاسدة، ولا يجوز الاشتراك بها شرعاً .

 

شركات المساهمة 

شركة المساهمة هي شركة مكَوّنة من شركاء يجهلهم الجمهور. والمؤسس في شركة المساهمة هو كل من وقع العقد الابتدائي للشركة؛ لأنّ العقد الابتدائي هو الذي يوجد بين موقعيه التزامات بالعمل على تحقيق الهدف المشترك، وهو الشركة. ويكون الاكتتاب في الشركة بالتزام الشخص بشراء سهم أو أكثر في مشروع الشركة، مقابل قيمتها الاسمية. وهو ضرب من ضروب التصرف بإرادة منفردة، أي يكفي الشخص أن يشتري الأسهم ليصبح شريكاً، رضي به باقي الشركاء أم لا. ويحصل الاكتتاب بوسيلتين: الأولى يختص فيها المؤسسون بأسهم الشركة، ويوزعونها فيما بينهم دون عرضها على الجمهور، وذلك بتحرير القانون النظامي للشركة المتضمن الشروط التي ستسير عليها الشركة، ثمّ توقيعه من قبلهم، فكل من يوقع القانون يعتبر مؤسساً وشريكاً، ومتى تم توقيع الجميع فقد تأسست الشركة. والوسيلة الثانية التي يحصل فيها الاكتتاب، وهي المنتشرة في العالم، هي أن يقوم بضعة أشخاص بتأسيس الشركة، ويضعون نظامها، ثمّ تطرح الأسهم مباشرة على الجمهور للاكتتاب العام فيها، وحين ينتهي أجل الاكتتاب في الشركة، تدعى الجمعية التأسيسية للشركة، للنظر في التصديق على نظام الشركة، وتعيين مجلس الإدارة لها. ويحق لكل مساهم مهما كان عدد أسهمه الحضور في الجمعية التأسيسية، ولو كان مالكاً لسهم واحد. وتبدأ الشركة أعمالها عند انتهاء الزمن المحدد لإقفال الاكتتاب. 

وكلتا الوسيلتين شكل واحد هو دفع الأموال، ولا تعتبر الشركة قد انعقدت، إلاّ بانتهاء توقيع المؤسسين في الوسيلة الأولى، وانتهاء أجل الاكتتاب في الوسيلة الثانية. فعقد الشركة عقد بين أموال فحسب، ولا وجود للعنصر الشخصي فيها مطلقاً، فالأموال هي التي اشتركت، لا أصحابها. وهذه الأموال اشتركت مع بعضها دون وجود أي شخص، ولذلك لا صلاحية لأي شريك، مهما بلغت أسهمه، بأن يتولى أعمال الشركة بوصفه شريكاً، ولا حق له بأن يعمل بها، أو يُسَيِّر أي شيء من أعمالها باعتباره شريكاً، وإنما الذي يتولى أعمال الشركة، ويعمل بها، ويسيّرها، ويشرف على كل أعمالها شخص يطلق عليه اسم المدير المنتدب، ينيط به ذلك مجلس إدارة. ومجلس الإدارة هذا ينتخب من الجمعية العمومية، التي يكون فيها لكل شخص من الأصوات، بمقدار ما يملك من الأموال، لا بمقدار شخصيته، لأنّ الشريك هو المال، فهو الذي يحدد عدد الأصوات، فلكل سهم صوت، وليس لكل شخص صوت، فلا يوجد في شركة المساهمة أي اعتبار لشخص المساهم، وإنما الاعتبار هو لرؤوس الأموال فقط. وشركة المساهمة دائمية، ولا تتقيد بحياة الأشخاص، فقد يموت الشريك فلا تنحل الشركة. وقد يحجر عليه ويبقى في الشركة. وأما رأس مال الشركة، فإنّه يقسم إلى عدد من الحصص متساوية القيمة، يطلق عليها اسم الأسهم. والمساهم شريك لا تستقصى صفاته الشخصية، ومسؤوليته محدودة بقدر حصته في رأس المال، فلا يلزم الشركاء من الخسارة إلاّ بمقدار أسهمهم فيها. وحصته قابلة للتداول، فله أن يبيعها، أو يشرك معه فيها غيره، دون إجازة سائر الشركاء. والأسهم التي يملكها كل شخص أوراق مالية تمثل رؤوس أموال، فقد تكون اسمية، وقد تكون لحاملها، وهي تنتقل من ملكية شخص إلى آخر. والممول الذي يكتتب في الأسهم لا يلزم إلاّ بدفع قيمتها الاسمية، فالسهم جزء من كيان الشركة، غير قابل للتجزئة، وليس هو جزءاً من رأس مالها. وأوراق الأسهم هي بمثابة ورقة تسجيل في هذه الحصة، وقيمتها ليست واحدة، وإنما تتغير حسب أرباح الشركة أو خسارتها، وهذا الربح أو الخسارة ليس واحداً في كل السنين، فقد يختلف، أو يتفاوت. فالأسهم إذن لا تمثل رأس المال المدفوع عند تأسيس الشركة، وإنما تمثل رأس مال الشركة حين البيع، أي في وقت معين، فهي كورقة النقد، يهبط سعرها إذا كانت سوق الأسهم منخفضة، ويرتفع حين تكون سوق الأسهم مرتفعة، وتنخفض قيمة الأسهم حين خسارة الشركة، وترتفع حين ربحها. فالسهم بعد بدء الشركة بالعمل انسلخ عن كونه رأس مال، وصار ورقة مالية، لها قيمة معينة، ترتفع وتنزل حسب السوق، بحسب أرباح الشركة وخسارتها، أو بحسب إقبال النّاس عليها، وإدبارهم عنها. فهو سلعة تخضع للعرض والطلب. والأسهم تنتقل من يد لأخرى، كانتقال الأوراق المالية بين النّاس، دون أدنى إجراءات كتابية في دفاتر الشركة، إذا كانت الأسهم لحاملها، وبإجراءات كتابية في الشركة إذا كانت تحمل اسم المساهم. 

وتعتبر الشركة رابحة إذا زادت قيمة موجودات الشركة على قيمة مطلوباتها عند الجرد السنوي، فما زاد فهو الربح. وتوزع الأرباح سنوياً في تمام السنة المالية للشركة، فإذا ارتفعت قيمة موجودات الشركة، بسبب ظروف فجائية، دون أن تكون هناك أرباح، فلا مانع من إجراء توزيع هذه الزيادة. أما إذا حدث العكس فانخفضت قيمة موجودات الشركة، ولكن الشركة ربحت، إلاّ أن أرباحها، إذا ضمت إلى قيمة الموجودات، فلم يزد على قيمة مطلوباتها، فلا محل لتوزيع الأرباح. وحين توزيع الربح تخصص حصة من الأرباح للاحتياطي ويصرف الباقي بعد ذلك على المساهمين. وتعتبر الشركة شخصاً معنوياً، لها أن تقاضي ويتقاضى باسمها أمام المحاكم، كما أن لها محلّ إقامةٍ خاصاً وجنسية خاصّة. ولا يسد مسدها أي مساهم فيها، ولا أي عضو إدارة بوصفه شريكاً، أو بوصفه الشخصي، وإنما يملك ذلك من يفوض له أن ينطق باسم الشركة، فيكون المتصرف هو الشركة، أي الشخصية المعنوية لا الشخص المباشر للتصرف. 

هذه هي شركة المساهمة، وهي من الشركات الباطلة شرعاً، ومن المعاملات التي لا يجوز للمسلم أن يقوم بها. أما وجه بطلانها وحرمة الاشتراك فيها فيتبين مما يلي: 

1 - إن تعريف الشركة في الإسلام هو: أنها عقد بين اثنين، أو أكثر، يتفقان فيه على القيام بعمل مالي بقصد الربح. فهي عقد بين اثنين أو أكثر، فلا تصح فيها الموافقة من جانب واحد، بل لا بد من أن تحصل الموافقة من جانبين، أو أكثر. والعقد فيها يجب أن يكون منصباً على القيام بعمل مالي، بقصد الربح. فلا يصح أن يكون منصباً على دفع المال فقط، ولا يكفي أن يكون الهدف مجرد الاشتراك فحسب. فالقيام بالعمل المالي هو أساس عقد الشركة، والقيام بالعمل المالي إما من المتعاقدين، وإما من أحدهما ومال الآخر. ولا يتأتى أن يكون عقد بينهما على قيام غيرهما بعمل مالي، لأنّه لا يكون عقداً، ولا يلزم به أحد. فالعقد إنما يلتزم به العاقد، ويجري على تصرفاته هو، لا على غيره. فيتحتم أن يكون القيام بالعمل المالي محصوراً بين العاقدين. إما منهما، أو من أحدهما ومال الآخر. وكون القيام بالعمل المالي من أحد العاقدين أمراً حتمياً -حتى يتم قيام الشركة ووجودها- يحتم أنه لا بد من أن يكون في الشركة بدن يجري العقد عليه، فيشترط في الشركة في الإسلام وجود البدن فيها، فهو عنصر أساسي في انعقاد الشركة. فإذا وجد البدن، انعقدت الشركة، وإذا لم يوجد البدن في الشركة، لم تنعقد شركة، ولم توجد من أساسها. 

وقد عرف الرأسماليون شركة المساهمة، بأنها عقد بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر، بأن يساهم كل منهما في مشروع مالي، بتقديم حصة من مال، لاقتسام ما قد ينشأ من هذا المشروع من ربح أو خسارة. ومن هذا التعريف، ومن واقع تأسيس الشركة، بوسيلتيها السابقتين، يتبين أنّها ليست عقداً بين شخصين أو أكثر حسب أحكام الشرع الإسلامي. لأنّ العقد شرعاً هو إيجاب وقبول بين طرفين، شخصين أو أكثر. أي إنه لا بد من أن يكون هنالك طرفان في العقد: أحدهما يتولى الإيجاب بأن يبدأ بعرض العقد كأن يقول: زوجتك، أو بعتك، أو أجرتك، أو شاركتك، أو وهبتك، أو ما شاكل ذلك. والآخر يتولى القبول كأن يقول: قبلت، أو رضيت، أو ما شاكل ذلك. فإن خلا العقد من وجود طرفين، أو من الإيجاب والقبول، لم ينعقد، ولا يسمى عقداً شرعاً. وأما في شركة المساهمة فإن المؤسسين يتفقون على شروط الاشتراك، ولا يباشرون الاشتراك بالفعل حين يتفقون على شروط الشركة، بل يتفاوضون ويتفقون على الشروط فقط. ثمّ يضعون صكاً هو نظام الشركة، ثمّ بعد ذلك يجري التوقيع على هذا الصك من كل من يريد الاشتراك. فيعتبر توقيعه فقط قبولاً به. وحينئذ يعتبر مؤسساً ويعتبر شريكاً. أي يتم اشتراكه حين يتم التوقيع، أو حين ينتهي أجل الاكتتاب. وهذا واضح فيه أنه لم يوجد فيه طرفان أجريا العقد معاً، ولا يوجد فيه إيجاب وقبول، وإنما هو طرف واحد يوافق على الشروط فيصبح بموافقته شريكاً. فشركة المساهمة ليست اتفاقاً بين اثنين، وإنما هي موافقة من شخص واحد على شروط. ولذلك قال عنها علماء الاقتصاد الرأسمالي، وعلماء القانون الغربي، بأن الالتزام فيها ضرب من ضروب التصرف بالإرادة المنفردة. والإرادة المنفردة هي كل شخص يلتزم أمراً من جانبه للجمهور، أو لشخص آخر، بغض النظر عن موافقة الجمهور، أو الشخص الآخر، أو عدم موافقته، كالوعد بجائزة. وشركة المساهمة عندهم، وفي حقيقتها، يلتزم المساهم، أو المؤسس، أو أي موقع على الصك بالشروط التي يتضمنها، بغض النظر عما إذا وافق غيره أو لا، وقد اعتبروها من أنواع التصرف بالإرادة المنفردة. وعلى هذا يكون عقد شركة المساهمة بالإرادة المنفردة عقداً باطلاً شرعاً؛ لأنّ العقد شرعاً هو ارتباط الإيجاب الصادر من أحد العاقدين بقبول الآخر، على وجه يظهر أثره في المعقود عليه. وعقد شركة المساهمة لم يحصل فيه ذلك. فهو لم يجرِ فيه اتفاق بين شخصين أو أكثر، وإنما التزم بموجبه شخص واحد بالمساهمة في مشروع مالي. ومهما تعدد الملتزمون والشركاء فيعتبر الملتزم شخصاً واحداً. قد يقال إن الشركاء اتفقوا بينهم على شروط الشركة، فيعتبر اتفاقهم إيجاباً وقبولاً، وكتابة الصك أمر شكلي لتسجيل العقد الذي اتفقوا عليه، فلماذا لا يسمى هذا عقداً؟

والجواب على ذلك هو أن الشركاء اتفقوا بينهم على شروط الشركة، ولكنهم، حسب اتفاقهم، لا يعتبرون أنفسهم اشتركوا فعلاً، ولا يلتزمون بهذا الاتفاق على الشروط. بل يجوز لكل منهم أن يترك، وأن لا يشترك بعد الاتفاق على الشروط، وبعد كتابة الصك. فهو غير ملزم بالاتفاق على الشروط حسب اصطلاحهم واتفاقهم إلاّ بعد توقيعه للصك. فإذا وقع الصك أصبح ملتزماً. وأما قبل ذلك فهو غير ملتزم، وغير مرتبط بشيء. وعلى ذلك فاتفاقهم على الشروط قبل توقيع الصك لا يعتبر عقداً عندهم. وهو أيضاً ليس عقداً شرعاً لأنّ الاتفاق على شروط الاشتراك، وعلى الاشتراك لا يعتبر عقد شركة. لأنّهم حسب اتفاقهم غير ملزمين به قبل التوقيع، والعقد ما التزم به العاقدان. ولهذا لا يعتبر اتفاقهم على شروط الشركة، وعلى الاشتراك إيجاباً وقبولاً، فلا يعتبر حسب أحكام الشرع عقداً، فضلاً عن كونه عندهم لا يعتبر عقداً. 

وقد يقال إن قبول الشريك بتوقيعه على العقد يعتبر إيجاباً منه لغيره، وتوقيع مَنْ بعده يعتبر قبولاً، فلِمَ لا يعتبر عرض الصك إيجاباً، وتوقيعه قبولاً؟ والجواب على ذلك، أن كل شريك يوقّع يكون قد قبل فقط فهو قبول، والعرض لم يصدر عن أحد معين، أي أن الإيجاب لم يصدر عن أحد معين، فلا يوجد عارض، لا المؤسسون ولا الموقع الأول، وإنما يوجد قبول من كل شريك. فالموقع يقبل الشروط، ويلتزم بها من نفسه دون عرضها عرض تصرف من أحد، أي دون أن يقول له أحد: شاركتك. أما إعطاؤه الصك للتوقيع فلا يعتبر عرض تصرف. وعلى هذا فواقع شركة المساهمة أن كل شريك فيها يقبل فقط، والقبول مع القبول لا يعتبر شرعاً عقداً. بل لا بد من الإيجاب بلفظ يدل على الإيجاب، لا على القبول. ثمّ يأتي القبول بلفظ يدل على القبول. وعليه لا يعتبر أي شخص وقع صك الشركة موجباً، بل الكل يعتبر قابلاً. فيكون قد صدر في الشركة قبول دون إيجاب، فلم تنعقد. 

والرأسماليون يطلقون على صك الشركة، أي نظامها عقداً، ويقولون وقع العقد. وأما شرعاً فلا يعتبر هذا الصك عقداً. وإنما العقد هو إيجاب وقبول بين طرفين، ومن هنا لا تعتبر شركة المساهمة عقداً شرعاً. 

على أن هذا العقد لم يحصل الاتفاق فيه على القيام بعمل مالي بقصد الربح، وإنما وافق فيه المؤسس أو المكتتب على أن يدفع مالاً في مشروع مالي. فهو خال من عنصر الاتفاق، على القيام بعمل، وإنما فيه الالتزام المفرد من الشخص بتقديم المال فقط، دون أي اعتبار للعمل في الالتزام. وبما أن القيام بالعمل المالي هو الهدف من الشركة، وليس مجرد الاشتراك، فخلو العقد من الاتفاق على القيام بالعمل مبطل للعقد. وبذلك لم توجد شركة بمجرد الموافقة على دفع المال، لعدم وجود الاتفاق على القيام بالعمل المالي. ومن هنا كانت الشركة باطلة أيضاً. 

وقد يقال إن صك الشركة قد تضمن نوع العمل الذي تقوم به، كمعمل سكر أو تجارة أو ما شاكل ذلك، فيكون قد حصل فيه الاتفاق على القيام بعمل مالي. والجواب على ذلك، هو أن نوع العمل الذي ذكر، إنما هو العمل الذي ستقوم به الشركة، ولكن لم يحصل الاتفاق على القيام به من طرف الشركاء. وإنما حصل الاتفاق على الاشتراك، وعلى شروط الشركة فقط. وترك القيام بالعمل للشخصية المعنوية التي ستكون للشركة بعد تأسيسها. وعليه لم يحصل الاتفاق بين الشركاء على أن يقوموا هم بعمل مالي. 

وعلاوة على ذلك فإن الشركة في الإسلام يشترط فيها وجود البدن، أي وجود الشخص المتصرف، لأنّ المراد بالبدن في الشركة، والبيع، والإجارة، وسائر العقود، هو الشخص المتصرف، وليس الجسم أو الجهد. فوجود البدن عنصر أساسي في انعقاد الشركة. فإذا وجد البدن انعقدت الشركة، وإذا لم يوجد البدن في الشركة لم تنعقد شركة، ولم توجد من أساسها. وشركة المساهمة لا يوجد فيها بدن مطلقاً، بل تتعمد إبعاد العنصر الشخصي من الشركة، ولا تجعل له أي اعتبار. لأنّ عقد شركة المساهمة عقد بين أموال فحسب، ولا وجود للعنصر الشخصي فيها، فالأموال هي التي اشتركت مع بعضها لا أصحابها. وهذه الأموال اشتركت مع بعضها دون وجود بدن شريك معها. فعدم وجود البدن يجعل الشركة لم تنعقد، فهي باطلة شرعاً، لأنّ البدن هو الذي يتصرف بالمال، وإليه وحده يستند التصرف بالمال، فإذا لم يوجد البدن لم يوجد التصرف. 

وأما كون الأشخاص أصحاب المال هم الذين يباشرون الموافقة على المساهمة بالمال، وكونهم هم الذين يختارون مجلس الإدارة، الذي يباشر العمل في الشركة، فلا يدل على أن هناك بدناً في الشركة، لأنّ موافقتهم كانت على جعل المال شريكاً، لا على أن يكونوا هم شركاء. فالمال هو الشريك، وليس صاحبه. وأما كونهم هم الذين يختارون مجلس الإدارة فليس معناه أنهم وكلوا عنهم، بل إن أموالهم هي التي جرى التوكيل عنها من قبلهم، ولم يجر التوكيل عنهم، بدليل أن المساهم له أصوات بقدر ما يملك، فالذي يملك سهماً واحداً له صوت واحد، أي وكالة واحدة، والذي له ألف سهم له ألف صوت، أي ألف وكالة، فتكون الوكالة عن المال، لا عن الشخص. وهذا يدل على أن عنصر البدن مفقود منها، وهي مؤلفة من عنصر المال فحسب. 

وبهذا يكون تعريف الشركة المساهمة دالاً على أنه لم تتوفر فيها الشروط التي لا بد منها حتى تنعقد شركة في الإسلام. إذ لم يحصل فيها اتفاق بين اثنين أو أكثر، وإنما هي التزام بإرادة منفردة من جانب واحد. ولم يتفق فيها على القيام بعمل، وإنما التزم فيها شخص بتقديم مال. وليس فيها بدن يباشر هو التصرفات بوصفه الشخصي في الشركة، وإنما فيها مال فقط، دون وجود أي بدن. وبهذا يكون عقد شركة المساهمة من هذه الجهة باطلاً شرعاً، فتكون شركة المساهمة باطلة، لأنّها لم تنعقد شركة، ولا ينطبق عليها تعريف الشركة في الإسلام. 

2 - الشركة عقد على التصرف بمال، وتنمية المال بها هي تنمية للملك، وتنمية الملك هي تصرف من التصرفات الشرعية، والتصرفات الشرعية كلها إنما هي تصرفات قولية، وهي إنما تصدر عن شخص، لا عن مال. فلا بد من أن تكون تنمية الملك من مالك التصرف، أي من شخص، لا من مال. وشركة المساهمة تجعل المال ينمو من نفسه دون بدن شريك، ودون شخص متصرف يملك حق التصرف، وتجعل التصرف للأموال؛ لأنّ شركة المساهمة إنما هي أموال تجمعت وصارت لها قوة التصرف. ولذلك تعتبر الشركة شخصاً معنوياً يكون لها وحدها حق التصرفات الشرعية من بيع، وشراء، وصناعة، وشكوى، وغير ذلك. ولا يملك الشركاء أي تصرف، وإنما التصرف خاص بشخصية الشركة، مع أن الشركة في الإسلام إنما يصدر فيها التصرف عن الشركاء فقط، ويتصرف أحدهما بإذن من الآخر، ولا يكون لأموال الشركاء في مجموعها أي واقع يصدر عنه تصرف، بل التصرف محصور بشخص الشريك. وعلى ذلك تكون التصرفات التي تحصل من الشركة بوصفها شخصية معنوية باطلة شرعاً؛ لأنّ التصرفات يجب أن تصدر عن شخص معين، أي عن إنسان مشخص، وأن يكون هذا الشخص ممن يملكون التصرف، ولم يتحقق ذلك في شركة المساهمة. ولا يقال هنا إن الذي يباشر العمل في الشركة هم العمال، وهم أجراء لأصحاب الأموال المساهمين، والذي يباشر الإدارة والتصرفات هم المدير ومجلس الإدارة، وهم وكلاء عن المساهمين، لا يقال ذلك لأنّ الشريك متعين ذاتاً في الشركة، وعقد الشركة وقع عليه بذاته. فلا يجوز له أن يوكّل أحداً عنه ليقوم بأعمال الشركة، ولا أن يستأجر أحداً عنه ليقوم بأعمال الشركة، بل يتعين أن يقوم بنفسه في أعمال الشركة، فلا يجوز للشركاء أن يؤجروا عنهم إجراء للقيام عنهم، ولا أن يوكّلوا مجلس إدارة عنهم. على أن مجلس الإدارة ليس وكيلاً عن أشخاص المساهمين، وإنما هو وكيل عن أموالهم، لأنّ الذي يجعله في الإدارة الأصوات التي ينالها في الانتخاب، وهي بحسب الأموال المساهمة في الشركة، لا بحسب أشخاص الشركاء. وفضلاً عن ذلك فإن المدير ومجلس الإدارة لا يملكون التصرف في الشركة لثلاثة أسباب: 

أولاً: لأنّهم يتصرفون بوكالتهم عن المساهمين، أي عن الشركاء بانتخابهم لهم، ولا يجوز للشريك أن يوكّل عنه؛ لأنّ الشركة وقعت على ذاته. فكما لا يجوز أن يوكل من يتزوج عنه -بل يجوز أن يوكل عنه من يعقد له عقد الزواج- كذلك لا يجوز أن يوكل من يتشارك عنه، بل يجوز أن يوكل من يعقد له عقد الشركة، لا من يكون شريكاً عنه. 

ثانياً: إن المساهمين أي الشركاء قد وكلوا عن أموالهم، لا عن أنفسهم، بدليل أن أصوات الانتخاب هي التي تعتبر في التوكيل، وهي تعتبر حسب الأموال، لا حسب الأشخاص. فيكون التوكيل عن أموالهم، لا عن أشخاصهم. 

ثالثاً: إن المساهمين هم شركاء أموال فقط، وليسوا شركاء بدن، وشريك المال لا يملك التصرف في الشركة مطلقاً، فلا يصح أن يوكل عنه من يتصرف في الشركة نيابة عنه.  وعليه يكون تصرف مدير الشركة، ومجلس الإدارة تصرفاً باطلاً شرعاً. 

3 - إن كون الشركة المساهمة دائمية يخالف الشرع، فالشركة من العقود الجائزة شرعاً تبطل بموت أحد الشريكين، وجنونه، والحجر عليه، وبالفسخ من أحد الشركاء إذا كانت مكونة من شريكين، وأما إذا كانت مكونة من شركاء، فإنها تنفسخ شراكة من مات، أو جن، أو حجر عليه، وإذا مات أحد الشركاء وله وارث ينظر، فإن كان غير رشيد، فليس له أن يستمر في الشركة، وإن كان رشيداً، له أن يقيم على الشركة، ويأذن له الشريك في التصرف، وله المطالبة بالقسمة. وإذا حجر على الشريك انفسخت الشركة؛ لأنّه لا بد من أن يكون الشريك جائز التصرف. فكون شركة المساهمة دائمية، وتستمر بالرغم من موت أحد الشركاء، أو الحجر عليه، يجعلها شركة فاسدة، لأنّها اشتملت على شرط فاسد يتعلق بكيان الشركة، وماهية العقد. وخلاصة الأمر أن شركة المساهمة لم تنعقد شركة أصلاً؛ لأنّ الذين وجدوا هم شركاء المال فقط. ولم يوجد شريك البدن، مع أن شريك البدن شرط أساسي؛ لأنّ به تنعقد الشركة شركة، وبغيره لا تنعقد شركة، ولا تحصل بتاتاً. وفي شركات المساهمة يتم عندهم الاشتراك بوجود شركاء المال ليس غير. وتشتغل الشركة، وتباشر أعمالها دون أن يوجد شريك البدن، ودون أن يكون له أي اعتبار. ومن هنا كانت شركة باطلة لأنّها لم تنعقد شركة شرعاً. ثمّ إن الذين يباشرون التصرفات في الشركة هم مجلس الإدارة، وهم وكلاء عن المساهمين، أي عن شركاء المال، والشريك لا يجوز له شرعاً أن يوكل عنه وكيلاً يتصرف في الشركة نيابة عنه، سواء أكان شريك مال أم شريك بدن، لأن عقد الشركة وقع عليه بذاته، فيجب أن يقوم هو بالتصرف، فلا يصح أن يوكل عنه، أو يؤجر عنه من يقوم بالتصرف والعمل بالشركة. على أن شريك المال فقط لا يملك شرعاً التصرف في الشركة، ولا العمل فيها كشريك مطلقاً، بل التصرف في الشركة، والعمل فيها محصور بشريك البدن ليس غير. وأيضاً فإن الشركة المساهمة تصبح شخصية معنوية يكون لهذه الشخصية حق التصرف. والتصرفات شرعاً لا تصح إلاّ من إنسان مشخص له أهلية التصرف، بأن يكون بالغاً عاقلاً، أو مميزاً عاقلاً. وكل تصرف لم يصدر على هذا الوجه فهو باطل شرعاً. فإسناد التصرف إلى شخصية معنوية لا يجوز، بل لا بد من إسناده إلى من يحوز أهلية التصرف من بني الإنسان. لذلك كانت شركات المساهمة باطلة، وكانت جميع تصرفاتها باطلة، وجميع الأموال التي كسبت بواسطتها أموال باطلة، كسبت بتصرفات باطلة، فلا يحل ملكها.

 

 

 

عد إلى الأعلى