المعاونون هم الوزراء الذين يُعيّنهم الخليفة معه، ليعاونوه في تحمّل أعباء الخـلافة، والقيام بمسؤولياتها. فكثرة أعباء الخـلافة، وبخاصة كلما كبرت وتوسعت دولة الخـلافة، ينوء الخليفة بحملها وحده، فيحتاج إلى مَن يعاونه في حملها، والقيام بمسؤولياتها.
ولا يصح تسميتهم (وزراء) دون تقييد، حتى لا يلتبس مدلول الوزير في الإسلام مع مدلول الوزير في الأنظمة الوضعية الحالية على الأساس الديمقراطي الرأسمالي العلماني، أو غيره من الأنظمة التي نشهدها في العصر الحاضر.
ووزير التفويض، أو معاون التفويض، هو الوزير الذي يعينه الخليفة ليتحمل معه مسؤولية الحكم والسلطان، فيفوض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضاءها حسب اجتهاده وفق أحكام الشرع، فيقلده الخليفة عموم النظر والنيابة.
أخرج الحاكم والترمذي عن أبي سعيد الخُدْري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وزيراي من السماء جبريل وميكائيل، ومن الأرض أبو بكر وعمر»، وكلمة الوزير في الحديث تعني الـمُـعين والمساعد، الذي هو المعنى اللغوي، وقد استعمل القرآن الكريم كلمـة (وزيـر) بهـذا المعنى اللغوي، قال تعالى: {وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي }[029:020]، أي مُعيناً ومساعداً. وكلمة (وزير) في الحديث مطلقة تشمل أي معونة، وأية مساعدة، في أي أمر من الأمور، ومنها إعانة الخليفة في مسؤولية الخـلافة وأعمالها. وحديث أبي سعيد ليس مختصاً بالمعاونة في الحكم؛ لأن جبريل وميكائيل وزيري رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء، لا علاقة لهما بمعاونته في مسؤولية الحكم وأعماله؛ لهذا فإن كلمة: «وزيراي» في الحديث لا تدل إلا على المعنى اللغوي الذي هو مُعينان لي. ويفهم من الحديث جواز تعدد المعاونين.
ومع أن أبا بكر وعمر لم يظهر عليهما القيام بأعباء الحكم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلا أن جعلهما وزيرين له، يجعل لهما صلاحية معاونته في كل شيء دون تحديد، بما فيه شؤون الحكم وأعماله. وقد استوزر أبو بكر بعد أن تولى الخـلافة عمر بن الخـطاب معـاوناً له، وكانت معـاونته له ظاهرة.
وبعد أن تولى الخـلافة عمر، كان عثمان وعلي معاونين له، إلا أنه لم يكن يظهر أن أياً منهما كان يقوم بأعمال المعاونة لعمر في شؤون الحكم، وكان وضـعهما أشـبه بوضـع أبي بكر وعمر مع الرسـول صلى الله عليه وسلم . وفي أيام عثمان كان علي ومروان بـن الحكـم معـاونين لـه، إلا أن علـيـاً كان مبـتـعـداً لعدم رضاه عن بعض الأعمال، لكن مروان بن الحكم كان ظاهراً قيامه بمعاونة عثمان في أعمال الحكم.
وإذا كان معاون التفويض وزير صدق فإنه يكون ذا نفع كبير للخليفة، حيث يذكِّره بكل خير ويعينه عليه. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه. وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لَم يذكِّره، وإن ذكر لَم يعنه» رواه أحمد. وقال النووي إسناده جيد. ورواه البزار بإسناد قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح.
ومن دراسة عمل المعاون على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين، نجد أن المعاون يمكن أن يكلف في مسائل معينة، يكون له عموم النظر فيها، أو في كل المسائل بعموم النظر فيها. وكذلك يمكن أن يعيَّن في مكان يكون له عموم النظر فيه، أو في عدة أمكنة بعموم النظر فيها. أخرج الشيخان من طريق أبي هريرة قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة». وأخرج ابن خزيمة وابن حبان «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجِعرانة، بعث أبا بكر على الحج». أي أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، وهما وزيرا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانا يكلفان بعموم النظر في أعمال معينة وليس في كل الأعمال على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم على الرغم من أنهما معاونان (وزيران) مقلَّدان عموم النظر والنيابة كما تقتضيه وزارة التفويض. وكذلك كان علي وعثمان في عهد عمر. وحتى إنه في عهد أبي بكر حيث معاونة عمر لأبي بكر كانت ظاهرةً في عموم النظر والنيابة، لدرجة أن قال بعض الصحابة لأبي بكر لا ندري أعمر الخليفة أم أنت، ومع ذلك فقد ولّى أبو بكر عمرَ القضاء في بعض الفترات، كما أخرج البيهقي ذلك بسند قواه الحافظ.
وعليه فإنه يستفاد من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده، أن المعاون يقلَّد عموم النظر والنيابة، ولكن يجوز أن يخصَّص المعاون بمكان أو عمل، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر وعمر وكما فعل أبو بكر مع عمر، كأن يولي معاوناً لمتابعة الولايات الشمالية وآخر لمتابعة الولايات الجنوبية، ويجوز أن يضع الأول موضع الثاني، والثاني موضع الأول، ويصرف هذا إلى العمل الفلاني وذاك إلى عمل آخر على الوجه الذي تقتضيه معاونة الخليفة، ولا يحتاج إلى تقليد جديد بل يصح هنا نقله من عمل لآخر؛ لأنه مقلَّد أصلاً عمومَ النظر والنيابة، فكل هذه الأعمال ضمن تقليده معاوناً. وفي هذه يختلف المعاون عن الوالي، فالوالي مقلَّد عموم النظر في مكان فلا يُنقل إلى غيره، بل يحتاج إلى تقليد جديد؛ لأن المكان الجديد ليس داخلاً في التقليد الأول. لكن المعاون مقلَّدٌ عموم النظر والنيابة فيجوز نقله من مكان إلى مكان دون حاجة إلى تقليد جديد، حيث هو مقلَّد أصلاً عمومَ النظر والنيابة في جميع الأعمال.
مما سبق يتبين أن الخليفة يقلد معاونه النيابة عنه في كل أرجاء الدولة مع عموم النظر في كل الأعمال، ومع ذلك فله أن يكلفه بعمل معين: مثلاً هذا لولايات المشرق، وذلك لولايات المغرب وهكذا. وتظهر ضرورة ذلك في حالة كون الوزراء أكثر من واحد حتى لا تتعارض أعمالهم.
وحيث إن حاجة الخليفة، وبخاصة مع اتساع الدولة، ستكون لأكثر من وزير، وجعل عمل كل منهم في كل أرجاء الدولة سيوجِد مشاكل في قيام الوزراء بعملهم؛ لاحتمال التداخل ما دام لكل منهم (عموم النظر والنيابة)، لذلك فنحن نتبنى:
من حيث التقليد: يقلَّد المعاون عموم النظر والنيابة في كل أرجاء الدولة.
ومن حيث العمل: يكلف المعاون بعمل في جزء من الدولة أي أن الولايات تقسم بين المعاونين فيكون هذا معاون الخليفة في المشرق، وذلك معاون الخليفة في المغرب، وآخر معاوناً له في ولاية الشمال وهكذا.
ومن حيث النقل: يُنقل المعاون من مكان إلى آخر، ومن عمل إلى آخر، دون الحاجة إلى تقليد جديد، بل بتقليده الأول؛ لأن أصل تقليده معاوناً يشمل كل عمل.