إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر بصناعة المنجنيق والعرَّادة أي الدبَّابة، ذكر البيهقي في السنن عن أبي عبيدة رضي الله عنه قال: «ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف، ونصب عليهم المنجنيق سبعة عشر يوماً»، وأخرج أبو داود في المراسيل عن مكحول: «أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف» قال الصنعاني في سبل السلام رجاله ثقات. وقال صاحب السيرة الحلبية: «أرشده إليه سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون، فنصيب من عدونا. ويقال إن سلمان رضي الله عنه هو الذي عمله بيده». ونقل ابن القيم في زاد المعاد، وابن هشام في السيرة عن ابن اسحق: «حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت دبابة، ثم دخلوا إلى جدار الطائف ليحرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالاً».
فسلمان هو الذي أشار بالمنجنيق، ويقال إنه عمله بيده، وذلك لابد أن يكون بأمر منه صلى الله عليه وسلم . انظر قوله في السيرة الحلبية «أرشده إليه» يعني هو الذي أشار به على الرسول صلى الله عليه وسلم . ويفهم من هذه الآثار أن الصناعات العسكرية هي من مسؤولية الخليفة، ويستعين بمن شاء للقيام بها وبتنظيمها، وهي ليست بحاجة إلى أمير، بل هي بحاجة إلى مدير، فسلمان لم يكن أميراً على الصناعات العسـكرية، بل كان مديراً لصناعة المنجنيق، وربما عمل بيده. وإقامة المصانع العسكرية فرض؛ لأن الإرهاب المطلوب في قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ}[060:008] هذا الإرهاب لا يحصل إلا بالإعداد، والإعداد يستلزم وجود المصانع، فتكون الآية دالة على وجوب إقامة المصانع العسكرية بدلالة الالتزام، أو بناء على قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وكذلك أدلة وجوب الجهاد تدل بدلالة الالتزام على وجوب إقامة المصانع.
والمصانع التي أوجب الله إقامتها على الدولة ليست محصورة في المصانع العسكرية. فهناك مصانع أخرى يجب على الدولة أن تقيمها، وردت في كتاب الأموال في دولة الخلافة على النحو التالي:
«المصانع: وذلك أن الدولة يجب عليها أن تقوم بإنشاء نوعين من المصانع تبعاً لوجوب رعايتها لمصالح الناس:
النوع الأول: المصانع التي تتعلق بأعيان الملكية العامة كمصانع استخراج المعادن وتنقيتها وصهرها، وكمصانع استخراج النفط وتنقيته. وهذا النوع من المصانع يكون مملوكاً ملكية عامة تبعاً للمادة التي يصنعها ويتعلق بها، وبما أن أعيان الملكية العامة مملوكة ملكية عامة لجميع المسلمين، فتكون مصانعها مملوكة ملكية عامة لجميع المسلمين، وتقوم الدولة بإقامتها نيابة عن المسلمين.
النوع الثاني: المصانع التي تتعلق بالصناعات الثقيلة، وبصناعة الأسلحة، وهذا النوع من المصانع يجوز أن يكون مملوكاً للأفراد لأنه من الملكيات الفردية. ولكن لما كانت أمثال هذه المصانع والصناعات تحتاج إلى أموال طائلة وقد يصعب توفرها لدى الأفراد، ولما كانت الأسلحة الثقيلة اليوم لم تعد أسلحة فردية يملكها الأفراد، كما كان الحال أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، وأيام الخلفاء من بعده، بل أصبحت مملوكة للدولة، تقوم الدولة على توفيرها؛ لأن واجب الرعاية يفرض عليها ذلك، خاصة بعد أن تطورت الأسلحة هذا التطور الرهيب، وأصبحت معداتها ثقيلة، وباهظة التكاليف؛ لذلك كان الواجب يفرض على الدولة أن تقوم هي بإنشاء مصانع لصناعة الأسلحة، ومصانع للصناعات الثقيلة. وهذا لا يعني أن يمنع الأفراد من إقامة هذه الصناعات».
هذه المصانع من واجب الدولة أن تقيمها، أي من واجب الخليفة، ويعين لها مديراً عاماً يرتبط به مباشرة، أو بمن ينوب عنه، يفعل أيهما شاء.